dhl
dhl

مصر بين واشنطن وموسكو… دبلوماسية التوازن في عالم متغيّر

القاهرة – أميرة المُحمّدي:

في زمنٍ تتبدّل فيه موازين القوى العالمية وتتقاطع فيه المصالح بين الشرق والغرب، تمضي القاهرة في طريقٍ بالغ الدقّة، تحاول من خلاله أن توازن بين علاقاتها مع واشنطن وموسكو دون أن تفقد استقلال قرارها السياسي. فمنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، مرورًا بالتوترات في الشرق الأوسط، وحتى التحديات الاقتصادية العالمية، وجدت مصر نفسها في موقع لا يمكنها فيه الانحياز الكامل لأي طرف، لأن مصالحها الاستراتيجية ترتبط بالاثنين معًا: الولايات المتحدة من جهة، وروسيا من جهة أخرى.الولايات المتحدة تظل الحليف التقليدي الأهم لمصر منذ اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، والعلاقة بين البلدين تتجاوز البعد السياسي إلى التعاون العسكري والأمني والمساعدات الاقتصادية. واشنطن تعتبر القاهرة ركيزة للاستقرار في الشرق الأوسط، وتتعامل معها كقناة رئيسية للتواصل مع العالم العربي في ملفات غزة وليبيا والسودان. في المقابل، تحرص مصر على الحفاظ على هذا الخط المفتوح مع الإدارة الأمريكية لما يوفّره من دعم في مؤسسات التمويل الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدولي، ولما له من أثر على المناخ الاستثماري في الداخل. لكن القاهرة في الوقت ذاته لا تسمح لهذا التحالف بأن يتحوّل إلى تبعية، إذ تدرك أن الحفاظ على التوازن هو مفتاح بقائها لاعبًا مستقلًا في المعادلة الإقليمية.في المقابل، جاءت العلاقات مع موسكو لتعبّر عن وجهٍ آخر من الواقعية السياسية المصرية. فبعد فترة من الجمود في التسعينيات، استعادت القاهرة وموسكو دفء العلاقات منذ منتصف العقد الماضي، حيث شهد التعاون بين البلدين تطورًا لافتًا في مجالات الطاقة النووية والتسليح والسياحة. مشروع محطة الضبعة النووية يُعدّ أحد أبرز رموز هذه الشراكة، فهو ليس فقط مشروعًا لتوليد الطاقة، بل أيضًا رسالة بأن مصر لا تعتمد على مصدر واحد للتكنولوجيا أو التمويل. كما فتحت موسكو باب التعاون العسكري على مصراعيه، ما سمح للقاهرة بتنويع مصادر السلاح وتوسيع هامش استقلال القرار الدفاعي. هذه الشراكة مع روسيا جاءت متّزنة، فهي لا تمثّل خروجًا عن التحالفات الغربية، بل تأكيدًا على أن مصر تنتهج سياسة الانفتاح على جميع القوى الفاعلة دون قيود أيديولوجية.ومع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وجدت القاهرة نفسها أمام اختبار حقيقي لتوازنها الدبلوماسي. فقد احتاجت إلى الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع موسكو، خاصة في ملف الحبوب والطاقة، وفي الوقت نفسه لم ترغب في استعداء الغرب أو مخالفة الموقف الدولي العام. ومن هنا تبنّت مصر سياسة “الحياد الإيجابي”، داعية إلى الحلول السلمية والحوار، دون أن تنخرط في أي اصطفاف سياسي.

هذا الموقف أكسبها احترامًا من الطرفين، وأتاح لها أن تلعب دور الوسيط في بعض القضايا الإنسانية المرتبطة بالأزمة، وهو ما عزّز صورتها كقوة إقليمية عقلانية تتعامل مع الصراع بمنطق المصلحة لا الشعارات.لكن التوازن بين واشنطن وموسكو لا يتوقف عند السياسة، بل يمتد إلى الاقتصاد. فمصر تعتمد بشكل كبير على الاستثمارات الغربية والمؤسسات الدولية، وفي الوقت ذاته ترتبط بعلاقات متنامية مع روسيا في مجالات الزراعة والطاقة والسياحة. كما تسعى إلى الاستفادة من مبادرات مثل “بريكس” التي انضمت إليها مؤخرًا، في محاولة لتوسيع قاعدة الشراكات بعيدًا عن الغرب وحده. هذا الانفتاح المتوازي يمنح القاهرة مرونة في مواجهة الأزمات الاقتصادية العالمية، ويُبقيها قادرة على المناورة في زمن تتشابك فيه المصالح وتتصارع فيه القوى الكبرى على النفوذ في الشرق الأوسط وإفريقيا.الملفت في السياسة الخارجية المصرية اليوم أنها لا تتعامل مع العالم بمنطق “إما/أو”، بل بمنطق “كلٍّ بحسب مصلحته”. فالقاهرة تشارك في الحوار الإستراتيجي مع الولايات المتحدة، وتؤكد في الوقت نفسه التزامها بتطوير التعاون مع روسيا والصين والهند. هذا النهج الواقعي ينبع من قناعة عميقة بأن العالم لم يعد أحادي القطب، وأن الدول المتوسطة مثل مصر قادرة على حماية مصالحها عبر سياسة متعددة الاتجاهات، تحافظ على توازنها وتمنحها هامش حركة أوسع.في الداخل، يجد هذا التوجه صدى في الخطاب الرسمي الذي يؤكد أن استقلال القرار المصري خط أحمر، وأن علاقات القاهرة الخارجية تُبنى على الاحترام المتبادل لا على الإملاءات. كما أن التجارب التاريخية أثبتت أن مصر عندما توازن بين الشرق والغرب، تكون أكثر قدرة على الدفاع عن مصالحها القومية وعلى ممارسة دورها الإقليمي بفاعلية. وربما لهذا السبب تفضّل القاهرة أن تبقى على مسافة واحدة من الجميع، تتعاون دون أن تنحاز، وتبني الجسور بدلًا من الأسوار.وفي ظل التحديات الراهنة، من الحرب في غزة إلى الأزمات الاقتصادية العالمية، تبدو هذه الدبلوماسية المتوازنة أكثر ضرورة من أي وقت مضى. فمصر لا تبحث عن التحالف بقدر ما تبحث عن الاستقرار، ولا تلهث وراء الاصطفاف بقدر ما تسعى إلى الحفاظ على هامش القرار المستقل. وبين واشنطن وموسكو، تواصل القاهرة السير بخطى محسوبة على طريق طويل، لكنها تعرف أن هذا الطريق هو السبيل الوحيد لحماية مصالحها وصورتها كدولة تسعى إلى التوازن في عالم يميل كل يوم نحو مزيد من الاستقطاب.وهكذا، في عالمٍ تتصارع فيه القوى الكبرى، تظل مصر واحدة من القلائل الذين اختاروا أن يكونوا جسراً لا جبهة، صوتًا للعقل لا للولاء، ودولةً ترى في التوازن قوة لا ضعفًا — دبلوماسية تمارس الواقعية، لكنها لا تفرّط في الكرامة ولا في المبدأ.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.