dhl
dhl

مستشفى الخانكة مأوى المرضى النفسيين وحكايات البحث عن التعافي

القاهرة – نهاد شعبان:

في محافظة القليوبية، وتحديدا في مدينة الخانكة، تقع واحدة من أقدم وأشهر المستشفيات النفسية في مصر والعالم العربي، وهي مستشفى الخانكة للصحة النفسية، هذا المكان الذي يعرف بين الناس باسم مستشفى المجانين ظل لعقود طويلة رمزا للمعاناة والأمل في آنٍ واحد، فبين جدرانه تختلط قصص الألم الإنساني مع محاولات العلاج والتعافي، ليصبح شاهدا على تطور نظرة المجتمع إلى المرض النفسي، وتحولها من الخوف والوصمة إلى الوعي والرعاية، تأسست مستشفى الخانكة عام 1946 كواحدة من أوائل المستشفيات الحكومية المتخصصة في علاج الأمراض النفسية والعصبية في مصر، وجاء إنشاؤها في وقت كانت فيه الرعاية النفسية محدودة، وكان المرض النفسي ينظر إليه على أنه نوع من الجنون أو الخلل الذي يجب عزله عن المجتمع، ومع مرور الزمن، أصبحت المستشفى مركزا رئيسيا لعلاج وتأهيل المرضى النفسيين، وبيتا آمنا لمن فقدوا التوازن النفسي أو الاجتماعي.

تبلغ مساحة المستشفى نحو 150 فدانا، وتضم العديد من الأقسام المتخصصة، مثل أقسام العلاج النفسي، وعلاج الإدمان، والعلاج السلوكي، فضلا عن أقسام لإقامة الرجال والنساء، ووحدات للعلاج الحر والمفتوح، وتستقبل المستشفى سنويا آلاف الحالات من مختلف المحافظات، بعضهم يأتي طوعا للعلاج، وآخرون يتم تحويلهم بقرارات طبية أو قضائية في حالات الخطر على النفس أو الآخرين، ورغم أن اسم الخانكة ارتبط في أذهان البعض بمكان مظلم أو مرعب، فإن الواقع اليوم مختلف كثيرا، فقد شهدت المستشفى خلال السنوات الأخيرة تطورا كبيرا في البنية التحتية والخدمات، وأصبحت نموذجا يحتذى به في رعاية المرضى النفسيين، فبدلا من العزل والتقييد، أصبح التركيز على التأهيل النفسي والاجتماعي، ومساعدة المرضى على العودة إلى حياتهم الطبيعية، هناك برامج متخصصة لإعادة التأهيل، تشمل العلاج بالعمل، والفن، والموسيقى، إضافة إلى جلسات الدعم الجماعي والعلاج السلوكي المعرفي.لكن خلف هذه التطورات تكمن حكايات إنسانية مؤثرة لا يعرفها كثيرون، فالمستشفى ليست مجرد مباني أو أسرة، بل عالم كامل يضم قصصا لأشخاص خاضوا معركة قاسية مع عقولهم ومشاعرهم، بعض المرضى جاءوا نتيجة ضغوط الحياة، أو فقدان عزيز، أو فشلٍ في العمل أو الدراسة، وآخرون وجدوا أنفسهم هنا بعد معاناة مع الإدمان أو اضطرابات نفسية مزمنة كالفصام والاكتئاب والقلق الحاد، ورغم صعوبة حالتهم، فإن كثيرا منهم يبدؤون طريق التعافي ببطء وثبات بمساعدة الأطباء والممرضين الذين يعملون في ظروف صعبة، لكن بإخلاص إنساني كبير، ويعتبر الطاقم الطبي في مستشفى الخانكة من الجنود المجهولين الذين يواجهون يوميا تحديات نفسية ومهنية هائلة، فهم لا يعالجون الجسد، بل العقل والروح، ويتعاملون مع مرضى في حالات غير مستقرة تتطلب الصبر والحكمة، كما تعمل المستشفى على تدريب الأطباء الشباب وطلبة الطب النفسي، مما جعلها مركزا علميا وتدريبيا معتمدا من وزارة الصحة، ومن القضايا المهمة المرتبطة بالمستشفى هي وصمة المرض النفسي التي ما زالت تلاحق الكثير من المرضى في المجتمع. فالكثيرون يخفون معاناتهم خوفا من نظرة الناس أو من أن يوصموا بـ”الجنون”، وهنا يأتي دور مستشفى الخانكة كمؤسسة إنسانية تنادي بضرورة الوعي النفسي، وتعمل على كسر هذه الوصمة من خلال حملات التوعية، وإشراك المرضى المتعافين في المجتمع من جديد.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.