القاهرة – أميرة المحمدي:
في قلب المشروع الحضري الضخم لـالعاصمة الإدارية الجديدة، وبشكلٍ يضع الثقافة في صلب رؤية التنمية، يُنتظر أن يُفتتح مشروع دار الأوبرا الجديدة بمساحته وتصميمه المتفرد، كمنشأة فنية وموسيقية تهدف إلى رفع مستوى المشهد الثقافي في مصر والعالم العربي. هذا الصرح، الذي يعد أحد أبرز معالم الحيّ الفني والثقافي في العاصمة، يُمثّل نقطة تحول في القطاع الموسيقي والعرضي بمصر، ويطرح السؤال: هل يمكنه أن ينافس مؤسسات عالمية مثل أوبرا دبي أو أوبرا سيدني؟ وما الأثر المتوقع على صناعة الموسيقى والفنون في مصر؟تصميم وإنشاء – حجم استثنائيبحسب بيانات رسمية ومصادر متخصصة، فإن دار الأوبرا الجديدة تحتوي على خمسة قاعات رئيسية منها: قاعة أوبرا رئيسية تتسع لحوالي 2,150 مقعدًا، وقاعة حفلات موسيقية سعتها 1,200 مقعد، وقاعة صغيرة تضم 600 مقعدًا. كما تم تصميم المبنى على مساحة تبلغ نحو 85,000 متر مربع، ويُعتبر جزءًا من مجمّع ثقافي أكبر قد يصل إلى أكثر من 500,000 متر مربع تشمل استوديوهات ومعارض ومسارح متنوعة. هذا الحجم الكبير يشير إلى طموح بيّن: أن تكون مصر ليست مجرد مستهلة للفن، بل محطة جذب دولية للفن الأداء المباشر، إذ يُطوَّر المشروع ليضم قاعات متعددة الاستخدامات تستقبل حفلات الأوبرا، الباليه، الحفلات الموسيقية، والعروض المسرحية – ما يفتح باب المنافسة أمام أكبر دور الفن في المنطقة.موقع استراتيجي ورؤية تنمويةولدت فكرة هذا المشروع في سياق خطة العاصمة الإدارية الجديدة، التي أُعلن عنها في عام 2015 كمدينة مستقبلية شرق القاهرة، تهدف لتخفيف الضغط العمراني على القاهرة وتكوين مركز حكومي واقتصادي وثقافي جديد. إن دمج دار الأوبرا ضمن هذا المشروع الحضري يجعلها جزءًا من بنية تحتية ثقافية ضخمة، مما يمنحها موقعًا فريدًا: ليس فقط كمنشأة عرض، بل أيضاً كقطب جذب، حيث يقترن الفن بالسكن، والاستثمار، والسياحة، والخدمات كافة، وهو ما يُعد ميزة تنافسية أمام دور عالمية أنشئت في أماكن خدم-سكن أقل تنسيقًا.هل تنافس أوبرا دبي أو أوبرا سيدني؟عند مقارنتها بدور الأوبرا العالمية الكبرى، هناك عدة عوامل تشير إلى أن التنافس ليس حلمًا بعيدًا: • الحجم الكبير وعدد القاعات المتعددة يعطيها مرونة في استضافة فعاليّات ضخمة ومتزامنة، ما يوازي ما تقدّمه أوبرا دبي أو سيدني. • موقعها في منطقة ذات رؤية تنموية واسعة يجعلها قادرة على جذب جمهور محلي ودولي، وليس فقط جمهورًا موسميًا أو محليًا. • إلا أن التحدي يكمن في البرمجة الفنية، والتسويق الدولي، والقدرة على جذب أُسر الإنتاج العالمية والفنانين العالميين بصورة منتظمة، وهذا ما يتطلب وقتًا وبناء سمعة.بالتالي، يمكن القول إن دار الأوبرا المصرية الجديدة لديها الإمكانات لتنافس، لكن المنافسة الحقيقية ستُقاس في السنوات المقبلة عبر جودة المضمون، وتكرار العروض العالمية، واستمرارية الاهتمام.الأثر المتوقّع على صناعة الموسيقى والفنون في مصر
يُرتقب أن يكون لهذا المشروع تاثيرٌ عميق في المجالات التالية: 1. تعزيز المشهد الموسيقي المحلي: سيمنح الموسيقيين المصريين منصةً عالمية، وقدرات إنتاج أعلى، ما قد يُعيد ترميم قدرات العروض الكبرى وكل ما يتفرّع عنها من تدريب وإنتاج. 2. تحفيز التعليم الفني والتدريب: وجود دار أوبرا متطوّرة قد يُشجّع إنشاء كليات ومعاهد موسيقية، ويجذب مواهب عربية إلى التعلّم في مصر، ما يُطوّر البُنى التحتية للفن. 3. استقطاب السياحة الثقافية: الزوار لم يعدوا يبحثون فقط عن الشواطئ أو الآثار، بل عن تجربة فنية. وجود دار أوبرا ضخمة في العاصمة الإدارية يعني جذباً لجمهور جديد، وفصولاً سياحية تتضمّن حفلات وترفيهًا ثقافيًا. 4. خلق فرص اقتصادية: من وراء كل عرض كبير هناك خدمات وفنانون وتقنيات وخلفيات إنتاجية – ما يعني تشغيلًا أكبر، استثمارًا في التدريبات والعاملين، وتوسّعًا في قطاعات الخدمات المحيطة.التحدّيات التي تواجه المشروعلكي تتحقّق الرؤية الطموحة، ثمة تحدّيات ينبغي التعامل معها بحرص: • استدامة التشغيل: ليس كُلفة البناء فقط، بل كيف تُدار الدار فنياً وبشريًا ومادياً كي تعمل طوال العام. • جذب الإنتاج العالمي: تحتاج مصر أن تنافس دولياً ليس بالبنية فقط، بل بشروط الإنتاج، والعقود، والتسويق، والشراكات. • الوصول والمواصلات: رغم موقعها الاستراتيجي، يحتاج الزوار المحليون والدوليون إلى أن يجدوا سهولة في الوصول، سكن، خدمات، وترفيه. • الربط بالمجتمع المحلي: لكي لا تبقى منشأة نخبوية، ينبغي أن يكون للعروض أثر واضح في محتوى محلي، ومشاركة للشباب المصري والفئات المتنوعة.في النهاية مع افتتاح دار الأوبرا الجديدة في العاصمة الإدارية، تفتح مصر صفحة جديدة في مصافّ المدن العالمية التي تنظر إلى الفن كمحور للتنمية والحداثة. إنها ليست مجرد صالة عرضٍ جميلة، بل محطة تطمح لاستضافة الموسيقى العالمية وإطلاق الإبداع المحلي في آنٍ واحد. هل ستكون المنافس الرسمي لأوبرا دبي وأوبرا سيدني؟ ربما ليس اليوم، لكن الطريق مفتوح، والرؤية واضحة — وإذا سارت الأمور بتوافق بين البنية والإنتاج والرؤية، فلربّما نرى قريبًا أن مصر تعاد صياغة مشهد الفن العالمي من قلب صحرائها المشرقة.





