القاهرة – أميرة المحمدي:
في لحظةٍ فارقةٍ في تاريخ المدينة التي لا تنام، وقف شاب ثلاثيني على منصة صغيرة في حي كوينز العمالي بنيويورك، يحيط به المهاجرون والعاملون البسطاء، يلوّح بيده ويقول بثقةٍ هادئة: «لن أتخلى عن معتقداتي… وسأكون عمدةً للجميع».هكذا ظهر اسم زهران ممداني، الذي تحوّل في أيام قليلة من نائبٍ محليٍ في البرلمان إلى أول مسلم من أصول مهاجرة يتولى رئاسة بلدية نيويورك، المدينة التي طالما وُصفت بأنها “عاصمة العالم”.قصة صعوده لم تكن مجرد فوزٍ انتخابي؛ بل حكاية إنسانٍ صنع من الغربة معنىً، ومن الهامش طريقًا إلى قلب السلطة.ولد زهران ممداني عام 1991 في كمبالا عاصمة أوغندا، لعائلةٍ تنتمي إلى أصولٍ آسيوية هندية. نشأ في بيتٍ يحمل في جدرانه صدى الفكر والثقافة. فوالده محمود ممداني من أبرز الباحثين في دراسات ما بعد الاستعمار وأستاذ في جامعة كولومبيا، بينما والدته ميريم بيكي عملت في مجالات ثقافية وفنية.في طفولته، عاش ممداني تعدديةً معقدة: أصول آسيوية، جذور إفريقية، وانتماء ديني مسلم، قبل أن ينتقل مع أسرته إلى الولايات المتحدة. وهناك، في أحياء نيويورك المتنوعة، بدأ يدرك معنى أن تكون “مهاجرًا يحمل أحلامًا أكبر من جواز السفر”.كان يرى في نفسه مزيجًا من ثقافاتٍ ثلاث، فتعلم كيف يصوغ هويته بوعيٍ متوازن: لا يتنكر لماضيه، ولا يذوب في حاضرٍ يطلب منه التنازل عن ذاته. تلك التجربة الإنسانية ستغدو لاحقًا ركيزة مشروعه السياسي.• من البرلمان إلى رئاسة المدينةلم يكن زهران نجمًا سياسيًا تقليديًا، ولم يعتمد على شهرةٍ مسبقة أو دعم مؤسساتٍ ضخمة. انطلق من العمل الميداني داخل المجتمع المحلي في كوينز، بين الجاليات الإفريقية والعربية واللاتينية. حمل صوته ومعاناتهم إلى البرلمان المحلي لولاية نيويورك، حيث لفت الأنظار بجرأته في الدفاع عن قضايا الفقراء والإسكان والنقل العام.في منتصف عام 2025، قرر أن يخوض المغامرة الكبرى: الترشح لرئاسة بلدية نيويورك. تحدّاه كثيرون، ورأى بعضهم أنه “شاب حالم لن يصمد في سباق الكبار”. لكنه اعتمد على حملته الميدانية الصغيرة التي نظمتها مجموعات شبابية ومتطوعون من الأحياء الفقيرة، وجعل شعاره بسيطًا لكنه عميقًا: “مدينة للجميع، لا للأغنياء وحدهم.”وبالفعل، جاءت المفاجأة. ففي يونيو 2025، أعلنت النتائج: فوز زهران ممداني بفارق مريح على منافسيه داخل الحزب الديمقراطي، ليصبح أصغر من تولى المنصب في تاريخ المدينة، وأول مسلمٍ يصل إليه.
• فكرٌ تقدمي بلغةٍ إنسانية
ينتمي زهران ممداني إلى التيار المعروف باسم “الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا”، وهو تيار يسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية عبر سياسات اقتصادية أكثر توازنًا. لكنه لم يكن يقدّم أفكاره كمنظّرٍ سياسي، بل كإنسانٍ عاش الفقر والتمييز، ورأى الظلم بعينيه.• طرح في حملته سلسلة من المبادرات الجريئة:▪النقل العام المجاني للفئات العاملة والطلاب.▪تجميد الإيجارات ومنع طرد السكان من منازلهم دون بدائل.▪إنشاء متاجر بلدية توفر السلع بأسعار عادلة.▪تمويل الخدمات عبر ضرائب تصاعدية على الشركات الكبرى والأثرياء.أما خطابه فكان أقرب إلى وجدان الناس منه إلى لغة السياسيين. لم يكن يتحدث بالأرقام فقط، بل بالحكايات، فيقول مثلًا: “أعرف كيف يبدو الجوع في نيويورك… لأنه كان يسكن شوارع حيّي.”هذا الخطاب الإنساني أعاد تعريف صورة السياسي لدى جمهورٍ فقد الثقة في وعود النخبة.•الهُوية… سلاح لا عبءفي بلدٍ لا تزال الهُوية الدينية والعرقية مثار جدلٍ سياسي، حمل ممداني إسلامه بفخرٍ دون أن يجعل منه شعارًا. قال في خطابه الانتخابي: “لن أتخلى عن معتقداتي، لكنني سأظل خادمًا لكل سكان المدينة، بمختلف أديانهم وأصولهم.”موقفه من القضية الفلسطينية زاد من حضوره العربي والإسلامي؛ إذ أعلن صراحةً أنه يرفض زيارة إسرائيل “قبل أن تزول معاناة الفلسطينيين”. هذا الموقف أثار جدلاً واسعًا، لكنه أكسبه احترامًا لدى شرائحٍ شعرت أن صوتها أخيرًا يُسمع من قلب أمريكا.• ما وراء الفوز… التحول داخل الحزب الديمقراطييرى المراقبون أن فوز زهران ممداني ليس حدثًا فرديًا، بل علامة على تحولٍ داخل الحزب الديمقراطي الأميركي نحو جيلٍ جديدٍ من القادة الذين يجمعون بين التنوع الثقافي والاهتمام بالقضايا الاجتماعية.فهو يجسّد نموذج السياسي القادم من الطبقات الشعبية، لا من مؤسسات المال والنفوذ.ومع ذلك، فإن طريقه لن يكون سهلاً؛ فإدارة مدينة مثل نيويورك، بأزماتها الاقتصادية والاجتماعية المعقدة، تتطلب توازناً دقيقاً بين المبادئ والواقعية السياسية.• التحديات الملف الاقتصادي سيكون أول اختبار حقيقي له: كيف يمول مشروعات النقل والإسكان دون أن يُنهك ميزانية المدينة؟ثم تأتي التوازنات الفيدرالية، إذ يتوقع أن يواجه مقاومة من بعض مؤسسات الدولة المركزية إذا مضى بعيدًا في سياساته التقدمية.كما سيُراقب الإعلام الأمريكي كل خطوةٍ له، بحكم رمزيته كأول عمدة مسلم.لكن المقربين منه يقولون إنه “يتعامل مع السياسة كمساحة للتعلّم لا للانتصار”، وإنه يدرك أن التغيير الحقيقي يحتاج وقتًا وصبرًا.قصة زهران ممداني ليست فقط قصة فوز سياسي في أمريكا، بل هي مرآةٌ لقيمة “الإصرار على الذات”.شابٌ من أسرة مهاجرة استطاع أن يفرض حضوره في واحدة من أعقد المدن وأكثرها تنوعًا في العالم، دون أن يتخلى عن هويته أو إنسانيته.إنها رسالةٌ إلى كل شابٍ عربيٍ يرى أن طريق السياسة مسدود: أن النجاح لا يحتاج جوازًا معينًا، بل إيمانًا بالقدرة على التغيير.عندما سُئل زهران بعد فوزه: “ما أول ما تفكر فيه وأنت تدخل قاعة بلدية نيويورك؟”ابتسم وقال: “أتذكر أبي وأمي… وأتذكر كمبالا… وأتذكر أن الغربة لا تنتهي، لكنها أحيانًا تصنع قادة.”ربما كانت تلك الجملة أصدق تلخيصٍ لرحلته.فمن طفلٍ مهاجرٍ يحمل الحلم في حقيبة صغيرة، إلى رجلٍ يكتب فصلاً جديدًا في تاريخ أكبر مدن العالم، يظل زهران ممداني شاهدًا على أن السياسة حين تمتزج بالإنسانية، تُصبح فنًّا لتغيير الواقع لا لتزيينه.





