dhl
dhl

(حوار خاص)…إيمان هاني: لا أطلب منصبًا لنفسي… بل مساحة حقيقية أخدم فيها الناس

القاهرة – أميرة المحمدي :

في عالم تكثر فيه الكلمات وتندر فيه الأفعال، تبرز بعض الشخصيات لتثبت أن الفعل الصادق والخدمة الحقيقية هما المقياس الحقيقي للنجاح. إيمان هاني واحدة من هؤلاء؛ امرأة استطاعت أن تحوّل تحديات حياتها الشخصية إلى قوة دافعة، وأن تصنع مسارًا فريدًا يجمع بين الطموح المهني والالتزام المجتمعي.

من بداياتها كطالبة متفوقة في الجامعة الألمانية، مرورًا بتجربة الأمومة المبكرة، وانتهاءً بانخراطها العميق في العمل التطوعي ومجتمع المال والأعمال، رسمت إيمان نموذجًا متكاملاً للمرأة القادرة على إعادة اكتشاف نفسها، وتجاوز الصعاب، وإحداث أثر ملموس في حياة الآخرين.

هذه القصة ليست مجرد سرد لإنجازات، بل هي رحلة امرأة واجهت الانفصال، والتحديات الشخصية، والضغوط المجتمعية، لتخرج أقوى وأكثر إصرارًا على تحقيق شغفها في خدمة المجتمع. رحلة بدأت بخطوات صغيرة في لجنة الشباب بنادي الصيد، ثم امتدت لتشمل تأسيس نادي روتاري جديد، وقيادة مشاريع تنموية مستمرة، وارتقاء إلى مناصب قيادية مهمة، لتؤكد أن الطموح الحقيقي لا يقتصر على المنصب، بل على القدرة على تحويل كل فرصة إلى فعل حقيقي، وكل خدمة إلى أثر دائم.

جاء التحوّل الحقيقي حين بدأت ترافق والدتها، وهي امرأة عاملة في خدمة المجتمع وتشغل منصب أمين صندوق لجنة الزكاة، وترافقها في أنشطة لجنة المرأة. كانت إيمان تذهب في البداية من باب المشاركة الأسرية، لكنها وجدت نفسها تنجذب تدريجيًا لعالم العمل العام، وتكتشف فيه مساحة تشبهها، وتحوّلت الجولات التطوعية من مجرد حضور إلى شغف يحركها ويمنحها إحساسًا بأنها قادرة على العطاء.

وفي الوقت ذاته، كان الألم الشخصي بعد الانفصال يولّد داخلها رغبة قوية في إثبات ذاتها لابنتها ولأسرتها ولنفسها قبل أي شخص آخر، مؤكدة: «أكبر تحدي في حياتي كان إنّي أثبت لنفسي إنّي قوية… وإن بنتي تفخر بيا».من هذا الدافع الداخلي، وجدت إيمان نفسها تقترب من العمل العام بصورة أكبر، فالتحقت بلجنة شباب نادي الصيد كعضو نشط، ومع الوقت لاحظ الجميع حضورها، قدرتها على الحركة، مبادراتها، وحماسها، فاختيرت بعد أشهر قليلة فقط لتكون مقررة لجنة الشباب عام 2015.

أربع سنوات كاملة حملت خلالها المهام التنظيمية والقيادية، وقدّمت مبادرات شبابية واجتماعية أثبتت بها أن القيادة ليست منصبًا بل قدرة على توجيه الناس وإشعال الحماس فيهم. وفي تلك الفترة، كانت والدتها قد أصبحت عضوة فاعلة في الروتاري، فوجدت إيمان نفسها تتجه معه نحو عالم أكبر.دخلت إيمان الروتاري، لكنها فوجئت بأن النادي الذي التحقت به كان شبه متوقف عن العمل.

لم تتردد أو تتراجع؛ بل قررت أن تبدأ من الصفر، فأسست «روتاري جيزة الصيد» داخل نادي الصيد، لتخلق كيانًا قادرًا على خدمة الأعضاء والعاملين وتقديم مبادرات حقيقية للمجتمع. ويومًا بعد يوم، تحوّل النادي إلى نموذج نشط يقدّم قوافل طبية، ومبادرات صحية وتعليمية، ودعمًا للمدارس، ومشروعات للمياه والصرف الصحي، وزيارات اجتماعية، وحملات محو أمية.

تقول دائمًا: «الميزة في الروتاري مش إنك تخدم… لكن إنك تخدم بإيدك وتشوف أثر الخدمة بعينك».لم تكن مشروعات النادي مجرد نشاطات متفرقة، بل رؤية ممتدة لخمس سنوات كاملة اختاروا فيها التركيز على قرية واحدة فقط: «منيل السلطان» في أطفيح بالجيزة.

كان القرار أن يأخذوا القرية «على بعضها»، وأن يتابعوا كل تفاصيلها. فتم توصيل وصلات المياه، وصيانة شبكات الصرف، وتجديد منازل الأسر، وإنشاء مشغل للسيدات لتمكينهن اقتصاديًا، وتنفيذ قوافل طبية مستمرة، وتطوير المدارس، وتنجيل ملعب، وفتح فصل لمحو الأمية. ثلاث سنوات من المتابعة المتواصلة جعلت من تجربتهم نموذجًا واضحًا لفكرة أن خدمة المجتمع لا تُقاس بعدد المشروعات، بل باستمرارها وعمق أثرها.ومع توسع نشاطها، انضمت إيمان للجمعية المصرية لشباب الأعمال، وهناك وجدت نفسها تدخل مساحة جديدة تجمع بين الاقتصاد، والاستشارات، وتكنولوجيا المعلومات. وخلال فترة قصيرة، أصبحت نائب رئيس مجلس الاستشارات وتكنولوجيا المعلومات داخل الجمعية، وهو موقع يعكس ثقة المجتمع المهني في قدراتها. إلى جانب ذلك، أصبحت أصغر «مساعد محافظ» للمنطقة الروتارية 2451، وهو منصب تطلّب جهدًا واسعًا، وحضورًا دائمًا، ومشاركة في عشرات الأنشطة والفعاليات.

وقد تلقت دعوات رسمية عدة لحضور ندوات ومناسبات، وهو ما يعكس حضورها ونشاطها على مستوى المنطقة.وتتسع خطواتها الأخيرة بدخولها المجال السياسي، إذ أعلن حزب الجبهة الوطنية اختيارها لتولي منصب «أمين سر أمانة ريادة الأعمال المركزية»، وهي خطوة تراها إيمان طبيعية ضمن مسارها في دعم الشباب والمرأة. بالنسبة لها، فإن ريادة الأعمال ليست مجرد مشروعات اقتصادية، بل هي بوابة للتمكين الحقيقي وتغيير حياة الناس. وتؤكد: «الطريق طويل… لكنه يستحق، وأنا مستعدة له».ورغم توسع الأدوار والمسؤوليات، يبقى ما تحمله في داخلها هو البوصلة الحقيقية. فإيمان لا تخفي طموحها بأن تكون وزيرة في المستقبل، لكنها تكرر دائمًا: «مش عايزة منصب لنفسي… أنا فعلا عايزة أخدم الناس.».

وبينما تحاول أن توازن بين دور الأم والقيادية والمرأة العاملة، تبقى ابنتها ووالدتها هما الدافع الدائم، ووالدها هو السند الأول، والسبب في كل خطوة تثبت بها أنها قادرة على النهوض مهما كانت البداية صعبة.في نهاية هذه الرحلة التي نسجتها إيمان هاني بيدها، يبدو واضحًا أنّ قصة نجاحها لم تكن صدفة، ولا مجرد تراكم من الخبرات، بل هي نتيجة إرادة صلبة، وإصرار على تحويل كل تجربة، سواء كانت تحديًا أو محنة، إلى درس وعمل ملموس. لقد أثبتت أنّ الانفصال والفقدان لا يشكّلان نهاية الطريق، بل يمكن أن يكونا نقطة انطلاق لاكتشاف الذات وإعادة رسم المستقبل.

من بداياتها كطالبة متفوقة، إلى الأم التي تحمل مسؤولية ابنتها، إلى المتطوعة التي اكتشفت شغفها في خدمة الآخرين، وصولًا إلى قيادة مشاريع مجتمعية ضخمة، أثبتت إيمان أن القوة الحقيقية للمرأة تتجلى حين توازن بين حياتها الشخصية وطموحها المهني، حين تحول الألم إلى دافع، والحلم إلى واقع.

وما يميّز مسيرتها أن كل خطوة فيها لم تكن لمجرد منصب أو لقب، بل خدمة حقيقية لمجتمعها، وحرص على إحداث أثر ملموس، سواء في قريتها المختارة أو عبر مشاريع الروتاري المختلفة. فالمشروعات التي أشرفت عليها في قرية منيل السلطان لم تكن مجرد أعمال صيانة أو قوافل طبية، بل كانت رسالة واضحة بأن الالتزام بالعمل التطوعي والإنساني يمكن أن يغيّر حياة الناس، ويمنحهم حياة أفضل، ويزرع الأمل في قلوبهم.

وفي هذا السياق، تتجسد فلسفة إيمان في الروتاري: «الخدمة بإيدك، والمتابعة بعينك»، وهو نهج جعلها ليست فقط قائدة، بل مرشدة وملهمة لكل من حولها.ورغم كل الإنجازات والمناصب التي حصلت عليها، تبقى روحها الإنسانية وطموحها الخالص لرفع شأن مجتمعها هما البوصلة الحقيقية لمسيرتها. فهي لا تطمح للمراكز أو المناصب من أجل الذات، بل تؤمن بأن النجاح الحقيقي يقاس بما تقدمه للآخرين، وبقدرتها على خلق فرق إيجابي مستدام. إنّها امرأة صنعت نفسها، وأثبتت أنّ التحدي لا يوقف إرادة من يملك الرغبة الصادقة في العطاء، وأنه لا حدود للقوة حين يمتزج الطموح بالحب للناس، والإيمان بالقدرة على التغيير.

هكذا تبدو رحلة إيمان هاني: مسار إنساني قبل أن يكون مهنيًا، قصة امرأة وجدت نفسها حين خدمت الآخرين، ووجدت قوتها حين تحدّت ظروفها، ووجدت طريقها حين قررت أن تجعل أثرها أكبر من لقب، وأن تكون الخدمة فوق الذات… والطموح فوق القيود.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.