القاهرة – أميرة المحمدي :
عادت السياحة المصرية إلى الواجهة بعد سنوات من التذبذب الاقتصادي والأزمات العالمية، لتستعيد مكانتها كأحد أهم روافد الاقتصاد الوطني. الأرقام الأخيرة تشير إلى انتعاش ملحوظ في حركة السفر والسياحة الداخلية، سواء في المطارات أو المنتجعات والمزارات الأثرية، لكن هذا الانعاش جاء مصحوبًا بارتفاع ملموس في أسعار الفنادق، مما أثار تساؤلات كثيرة حول مدى قدرة المواطن على الاستمتاع بفرص السفر داخليًا.- الوجه المشرق: انتعاش الحركة السياحيةتشير المؤشرات الرسمية إلى تزايد أعداد السائحين، خاصة في البحر الأحمر وجنوب سيناء، حيث تعافت المدن السياحية الكبرى مثل شرم الشيخ والغردقة ومرسى علم من تأثير الأزمات السابقة.الأقصر وأسوان شهدتا أيضًا تدفقًا متزايدًا للزوار، ما أعاد الحيوية للنيل والكرزات السياحية التقليدية، وهو ما انعكس على نسب الإشغال الفندقي ومعدل الحجز للرحلات النيلية.هذا الانتعاش يمثل مؤشرًا إيجابيًا على استقرار القطاع السياحي، ويعطي أملًا بأن مصر تستعيد مكانتها كوجهة مفضلة للسياحة العالمية، لكنها تحمل في طياتها تحديات جديدة للمواطنين الراغبين في الاستفادة من هذه الحركة داخليًا.- ارتفاع الأسعار… الأسباب والتداعياتمع هذا الانتعاش، واجه المواطن المصري ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار الفنادق، وهو أمر يمكن تفسيره من خلال ثلاثة محاور رئيسية:1. ارتفاع تكلفة التشغيل نتيجة تغير أسعار الصرف وزيادة تكلفة المواد المستوردة، بما فيها المواد الغذائية ومستلزمات الضيافة.2. تركيز الفنادق على السائح الأجنبي الذي يمثل العائد الأكبر، ما أدى إلى رفع أسعار الغرف للتماشي مع الأسعار العالمية.3. تطوير المنشآت وصيانة الفنادق القديمة، وهو ما يحسّن من جودة الخدمة لكنه يرفع من تكلفة الليلة الفندقية.هذه الأسباب مجتمعة تجعل من السياحة الداخلية تحديًا للمواطنين العاديين، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية اليومية.- السياحة الداخلية… نافذة ضيقة للمواطن المصريرغم هذا، يبحث المواطن عن بدائل اقتصادية، مثل بيوت الضيافة الصغيرة، الرحلات القصيرة، والشاليهات العائلية في محافظات البحر الأحمر والدلتا.يبرز التحول في سلوك المواطن، من السفر التقليدي بالفنادق الكبيرة، إلى البحث عن حلول اقتصادية تناسب ميزانيته، وهو ما يخلق سوقًا جديدة في القطاع السياحي الداخلي.- الفنادق تردّ: الجودة مقابل السعرمن جانبهم، يؤكد مديرو الفنادق الكبرى أن رفع الأسعار كان نتيجة لارتفاع التكاليف التشغيلية وتحسين جودة الخدمات، وأن هناك عروضًا خاصة للمصريين خلال المواسم غير الرسمية، بهدف الحفاظ على توازن بين استقطاب السائح الأجنبي وتمكين المواطن من التمتع بخدمات عالية الجودة.- الانتعاش هش… يحتاج إلى إدارة متوازنةيشير خبراء السياحة إلى أن الانتعاش الحالي حقيقي لكنه هش، ويعتمد على استقرار الأوضاع السياسية والاقتصادية، واستمرار تطوير البنية التحتية السياحية، وحماية البيئة في المناطق الحساسة، وتعزيز التسويق الرقمي للمقاصد الداخلية.كما أن قدرة المواطن على الاستفادة من هذا الانتعاش تعتمد على خلق خيارات متنوعة من الفنادق والشاليهات والرحلات الاقتصادية، تتيح له السفر دون إرهاق مالي، وهو ما يعزز السياحة الداخلية ويزيد من مساهمتها في الاقتصاد الوطني.- توازن الفرص بين الزائر والمواطنبين انتعاش حركة السياحة وارتفاع أسعار الفنادق، يبقى المواطن المصري يبحث عن توازن حقيقي بين جودة الخدمة والقدرة على الوصول إليها.إن نجاح السياحة المصرية لا يُقاس فقط بعودة الزوار الأجانب، بل بمدى شعور المواطن أن بلده مكان يمكنه التمتع به دون قيود مالية أو شعور بالتهميش.السؤال الذي يبقى مفتوحًا: هل ستنجح الدولة والقطاع الخاص في خلق معادلة عادلة تعكس الفرص المتساوية بين الزائر والمواطن المصري، لتكون مصر وجهة سياحية متكاملة تُرضي جميع الأطراف؟


