dhl
dhl

إيلان بيرمان يكتب: أميركا وخسارة معركة كسب القلوب والعقول

إذا كانت حرب غزة قد علمتنا أي درس مستفاد، فهو أن المعلومات تمثل قوة حقيقية. فالقدرة على تشكيل المفاهيم، وكسب القلوب والعقول، وتحديد شروط النقاش الوطني (والدولي) لا تقل أهمية عن النجاح في ساحة المعركة. ولذلك، تمكن مسلحو «حماس»، رغم خسارتهم العسكرية أمام القدرات العسكرية الإسرائيلية المتفوقة، من الاستيلاء على الخطاب العام المحيط بالصراع والتلاعب به ببراعة.لذا، من المدهش أن تختار الولايات المتحدة الانسحاب من ساحة المعركة. فمنذ الربيع الماضي، شنت إدارة ترامب هجوماً عنيفاً على الوكالة الأميركية للإعلام العالمي (USAGM)، وهي الهيئة الفيدرالية المسؤولة عن الإشراف على البث الدولي الأميركي. وتدعو خطط الإدارة إلى إغلاق الوكالة نهائياً، وإلغاء مؤسساتها الفرعية الفيدرالية مثل «صوت أميركا»، والجهات المستفيدة مثل «إذاعة آسيا الحرة»، أو إعادة هيكلتها بشكل مبسط.ورغم أن بعض انتقادات الإدارة للوكالة في محلها، إذ عانت الوكالة لسنوات من مشكلات هيكلية وإدارية خطيرة، فإن خيار تدميرها بدل إصلاحها له عواقب وخيمة في الخارج، حيث يوسع خصوم واشنطن نطاق وصولهم المعلوماتي بسرعة.وتكشف الأرقام القصة. فالصين، على سبيل المثال، تنفق مليارات الدولارات سنوياً على الدعاية والروايات الكاذبة والأخبار المضللة. وفي عام 2021، قدر باحثو مؤسسة «راند» البحثية الأميركية غير الربحية، تلك النفقات بما لا يقل عن 10 مليارات دولار سنوياً، بينما أشار مسؤولو الأمن القومي المطلعون على ملف حرب المعلومات إلى أن هذا الرقم منخفض، وأن المبلغ الحقيقي قد يكون ثلاثة أضعاف. وتتجلى هذه الزيادة في أفريقيا، حيث تشتري بكين قنوات إعلامية محلية لتحسين سردية الرواية المتعلقة بالحزب الشيوعي الصيني.وبالنسبة لروسيا، فقد ارتفعت نفقات الكرملين على الدعاية بنسبة 13%، ليصل إلى نحو 1.4 مليار دولار بين عامي 2024 و2025. وجاء ذلك التغيير في خضم صراع طويل ومكلف مع أوكرانيا، دفع البلاد تدريجياً نحو الركود. ومع ذلك، لا يمثل هذا الرقم سوى «الميزانية البيضاء» لروسيا، أي النفقات الرسمية المعلنة للكرملين. بينما يقدر المسؤولون الأوروبيون أن روسيا تنفق أكثر بكثير، ربما نحو مليار دولار إضافي سنوياً، من خلال السحب من الميزانيات التي استخدمتها موسكو للترويج لنفسها كشريك موثوق في الشرق الأوسط وأفريقيا، وتعزيز نفوذها في الأميركتين.أما إيران، فكان إنفاقها على الأنشطة الإعلامية أكثر تواضعاً، لأن اقتصادها أصغر بكثير من اقتصاد روسيا أو الصين. ومع ذلك، فإن نفقاتها كبيرة، حيث قُدرت مؤخراً بنحو 400 مليون دولار، بزيادة تزيد على 30% عن العام الماضي. بينما انهارت عملتها وتفاقم الجفاف لدرجة أن المسؤولين أشاروا إلى أنه قد لا يكون أمامهم خيار سوى نقل العاصمة من طهران إلى منطقة أخرى.بعبارة أخرى، حتى قبل قرار إدارة ترامب بتقليص القدرات الإعلامية لبلاده، كان خصوم أميركا ينفقون أكثر من طاقتها. والوضع أسوأ بكثير في الوقت الراهن، حيث تكثف الصين وروسيا وإيران أنشطتها الإعلامية في أماكن تغيب فيها الولايات المتحدة، مثل أميركا اللاتينية وأفريقيا والشرق الأوسط. وعلى مدار الأشهر الستة الماضية، وسعت قناة «روسيا اليوم» نطاق بثها باللغة الإسبانية ليشمل تشيلي، بينما أطلقت وكالة «سبوتنيك» التابعة لها بثاً إذاعياً باللغة البرتغالية في ريو دي جانيرو.كما تعاونت «روسيا اليوم» مع الاتحاد الأفريقي للبث، لإنشاء «شراكة استراتيجية» تسمح بإيصال رسائلها بقوة أكبر في القارة. وفي غضون ذلك، وقعت الصين مذكرات تفاهم متعددة لمشاركة محتواها الإعلامي ورؤيتها الأيديولوجية مع مؤسسات إعلامية في تركيا وبيلاروسيا ودول أخرى متنوعة. أما إيران، فقد أبرمت مؤخراً سلسلة من اتفاقيات التعاون مع وسائل إعلام روسية مثل «رابتلي»، و«مير تي في»، ما مهد الطريق أمام الدعاية الروسية للوصول بشكل أفضل إلى الشعب الإيراني، والعكس أيضاً.ولا تُقر إدارة ترامب هذا التوجه، ناهيك عن تكثيف استراتيجية مضادة. وبعد تسعة أشهر، لا يزال البيت الأبيض يُركز على تفكيك الوكالة الأميركية للإعلام العالمي ووظائفها. ولا يوجد دليل على وجود رؤية حول أفضل السبل لتعزيز الأولويات الإعلامية الأميركية الأساسية، وسرد قصة أميركا بصدق وشرح أولوياتها وسياساتها، مع التصدي بفعالية للتضليل الذي ينشره الآخرون.وإذا أرادت إدارة ترامب الحفاظ على قدرتها التنافسية على الساحة العالمية، فعليها أن تبدأ بالتفكير الجدي، فإذا كانت الجهود الصينية والروسية والإيرانية مؤشراً، فعليها أن تفعل ذلك سريعاً

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.