dhl
dhl

“حوار خاص”..«أنا عايز الناس تحب الفسيخ زي ما أنا بحبه»… حكاية عمر مكرم الذي قرر أن يغيّر الصورة الذهنية للأكلة الأصعب

القاهرة – أميرة المحمدي:

يبدأ عمر مكرم حكايته دائمًا من مكان غير متوقع: من حبٍ بسيط لأكلة الفسيخ تحوّل مع الوقت إلى شغف أكبر من أي وظيفة شغلها أو أي بلد عاش فيها. وُلد عمر في المنصورة، لكنه قضى ما يقارب 12 عامًا خارج مصر متنقلًا بين وروسيا والإمارات والسعودية، وهناك جمع بين الدراسة والعمل حتى حصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة موسكو. ورغم السفر الطويل والنجاحات المهنية، ظلّ قلبه معلّقًا بطبق الفسيخ الذي اعتاد عليه منذ صغره. يقول بابتسامة واضحة: «أنا ممكن آكل فسيخ كل يوم… وكل اللي نفسي فيه إن الناس تحبه زي ما أنا بحبه».

هذا الشغف لم يكن مجرد كلام، بل كان الدافع الأول وراء إنشاء “فسخانستا”. فحين كان يعيش في الخارج، واجه عمر مشكلة لم يتوقعها: لم يجد فسيخًا نظيفًا، ولا تغليفًا محترمًا، ولا منتجًا يصلح للسفر أو حتى للتقديم. هذه الأزمة الصغيرة ولّدت لديه رغبة كبيرة في التغيير. ومع عودته إلى مصر بعد فترة كورونا، تحوّلت الفكرة إلى مشروع حقيقي يقدّم الفسيخ بشكل جديد تمامًا، معتمدًا على نظافة غير مسبوقة وطريقة تغليف مميزة تحافظ على الطعم وتُظهر الاحترام للعميل.

ومن هنا بدأت الرحلة. أنشأ عمر مصنعه في نبروه، أشهر مدينة مصرية في صناعة الفسيخ، لكنّه لم يكتفِ بالخبرة المتوارثة هناك، بل أعاد هيكلة الفكرة من بدايتها. يصف المصنع قائلًا: «لو دخلت المصنع هتحسّ كأنك داخل عيادة… المكان كله أبيض من السقف للأرض، والأمان عالي والنظافة أعلى».

كان يعلم أن المشكلة الأكبر في فكرة الفسيخ ليست الطعم، بل الصورة الذهنية المرتبطة به — صورة أماكن غير نظيفة أو طرق تصنيع غير آمنة. لذلك جعل المصنع نفسه رسالة توضح أن الفسيخ ممكن يُصنع بطريقة طبية، محترمة، وآمنة تمامًا.

ولأن الجودة تبدأ من المصدر، اعتمد عمر مكرم خطوات دقيقة في التصنيع اهمهم: اختيار السمك السمين الطازج فقط، لأن السمك البائت يؤدي للتسمم ولا يتحمل التمليح. ثم تأتي مرحلة التنظيف الدقيقة، فالتدريج السليم، ثم التغليف المحترف الذي يحافظ على المنتج ويجعله صالحًا للسفر والتصدير. وهكذا توسّعت “فسخانستا” في منتجات جديدة مثل معلبات الفسيخ والرنجة والبطارخ والأنشوجة والملوحه الاسواني وكل المنتجات المملحة، لتصل لكل مكان بسهولة دون أن يفقد المنتج جودته أو طزاجته.

ومع الوقت تحوّلت الفكرة إلى علامة تجارية. أربعة فروع تعمل اليوم، كل واحد منها فيه صالات مكيفة، مجهزة، ونضيفة — شيء لم يكن موجودًا في عالم الفسيخ الذي يعتمد على التيك أواي فقط. هنا يمكنك أن تأكل فسيخ ورنجة في تجربة مريحة، آمنة، ورائحتها غير مزعجة بفضل أنظمة تنقية الهواء والنظافة الدقيقة.

هذه التفاصيل جعلت عمر مكرم ينجح في ما لم ينجح فيه غيره: وهو تغيير فكرة الناس عن الفسيخ، حتى الناس التي لا تحبه في الأصل.

ولأن التطوير جزء من شخصيته، ابتكر عمر وجبة غير عادية: برجر الفسيخ داخل عيش كيذر، عليه ورق ذهب صالح للأكل مستورد من تركيا. قد تبدو جريئة، لكنها كانت وسيلته لجذب الشباب والزبون الذي يحب التجارب الغريبة، ولجعل الفسيخ يظهر بوجه جديد يناسب العصر.وعندما جلس عمر في نقابة الصحفيين يعرض منتجاته خلال الحوار، كانت المفاجأة واضحة على الوجوه. الصحفي أحمد قال إنه لأول مرة يجرب برجر الفسيخ وأعجبته هذه الطريقة، وأشاد بالطعم والتنفيذ.

الصحفي محمد أكد أن مذاق السردين والملوحة أعاد إليه ذكريات قديمة، وأن فكرة المعلبات أعجبته جدًا. أما الصحفي عبده فركّز على نقطة واحدة: نظافة الأكل الواضحة في الرائحة والطعم، رغم أن الفسيخ معروف بطبيعته برائحة حادة.

اليوم يتجه “فسخانستا” إلى خطوة أكبر: دخول القاهرة بقوة، وتحديدًا الشيخ زايد والتجمع. هذه التوسعات ليست مجرد فتح فروع، بل امتداد لفكرة عمر مكرم التي تقوم على احترام المنتج واحترام المستهلك، وتقديم أكل مصري أصيل في صورة حديثة تليق بالمكان والناس.

وفي النهاية، تبدو قصة “فسخانستا” وكأنها مرآة لصاحبها. رجل عاش في الخارج، درس وتدرّب وتعب، لكنه عاد ليضع كل ما تعلمه في فكرة بسيطة أحبها منذ طفولته. عمر مكرم لم يغيّر صناعة الفسيخ فقط… بل غيّر صورتها، وقدّم نموذجًا لرائد أعمال يقدّس العمل، ويحب التفاصيل، ويؤمن أن النجاح يبدأ من جملة واحدة قالها من قلبه:«أنا عايز الناس تحب الفسيخ… زي ما أنا بحبه».

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.