القاهرة _ أميرة المحمدي :
من داخل نقابة الصحفيين، جاء حواري مع الإعلامية المتخصصة في المجال الرياضي بيري محمد، لتكشف عن رحلة مهنية بدأت مبكرًا، وتشكّلت عبر سنوات من الاجتهاد، والرهان على الشغف، والإيمان بأن الرياضة في مصر أكبر وأعمق من مجرد كرة قدم.
•من الإسكندرية بدأت الحكاية
تنتمي بيري محمد إلى مدينة الإسكندرية، حيث التحقت بكلية الآداب قسم الإعلام بجامعة الإسكندرية، وهناك لم تنتظر سنوات الدراسة لتبدأ، بل قررت منذ اليوم الأول أن تخوض التجربة العملية.تقول إنها كانت تنهي محاضراتها الجامعية، ثم تتوجه إلى مكتبة الإسكندرية، قبل أن تنتقل بعدها مباشرة إلى الصحف التي كانت تتدرب بها، في روتين يومي استمر طوال سنوات الدراسة الأربع.تلك المرحلة، كما تصفها، كانت التأسيس الحقيقي لشخصيتها المهنية، حيث تعلّمت معنى الالتزام، وأهمية أن يصاحب العلمَ تدريبٌ حقيقي على أرض الواقع.

• الميول الرياضية… شغف منذ الطفولة
لم يكن اختيار الإعلام الرياضي قرارًا طارئًا، بل امتدادًا طبيعيًا لشغف قديم.نشأت بيري في “بيت كروي”، وكانت منذ طفولتها تميل إلى فهم تفاصيل اللعبة، والتمييز بين الركنية وركلة الجزاء، والتحليل لا المشاهدة فقط. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا الشغف إلى وعي ورغبة حقيقية في التخصص.بعد التخرج، حسمت قرارها بأن يكون الإعلام الرياضي مجالها الأساسي، وبدأت في تعميق هذا الاختيار أكاديميًا، بحصولها على درجة الماجستير في الإعلام الرياضي.
• الرهان على الألعاب الفردية
اللافت في تجربة بيري محمد أنها لم تحصر اهتمامها في كرة القدم، بل اتجهت مبكرًا نحو الألعاب الفردية، والتي تمثل – بحسب رؤيتها – العمود الفقري للبطولات والإنجازات الرياضية المصرية، رغم ضعف تسليط الضوء الإعلامي عليها.وتوضح أن اهتمامها المهني توزّع بنسبة 90% على الألعاب الفردية، مقابل 10% فقط لكرة القدم، إيمانًا منها بأن الرياضة المصرية لا تختزل في لعبة واحدة، وأن المسؤولية الإعلامية تفرض إنصاف كل من يحقق إنجازًا باسم الوطن.
• نقطة التحول… من القرار إلى المواجهة
كان أول موسم إعلامي لبيري محمد مليئًا بالتحديات، خاصة مع تقديمها برنامج «نجوم الملاعب» من داخل مدينة الإنتاج الإعلامي، عبر بث مباشر لا يحتمل الخطأ.البرنامج شكّل اختبارًا حقيقيًا لقدرتها على المواجهة، وفتح أمامها باب الحوارات الصحفية مع عدد من نجوم الألعاب الفردية والجماعية، عبر منصتي الأسبوع وصدى البلد.

• امرأة في الإعلام الرياضي… تحدٍ مضاعف
لم تكن البداية سهلة، خاصة مع النظرة النمطية لوجود المرأة في الإعلام الرياضي.تعرّضت بيري لتعليقات تشكك في قدرتها، وتساؤلات من نوع: “ليه رياضة؟”، لكنها اختارت طريقًا آخر؛ تجاهلت الأصوات المثبطة، وقررت أن تثبت نفسها بالعمل لا بالرد.ومع الوقت، فرضت حضورها، وبدأ اسمها يُعرف داخل الوسط الإعلامي الرياضي.
• قضايا تبنّتها عن قناعة
من أبرز الملفات التي ناقشتها بيري محمد قضايا البراعم والناشئين، خاصة بعد تواصل أولياء أمور كثيرين معها، ما جعلها تشعر بأنها أمام مسؤولية حقيقية.تبنّت قضايا شائكة مثل التزوير والتسنين، واعتبرتها جزءًا من معركة إصلاح الرياضة من جذورها، وليس مجرد مادة إعلامية عابرة.
• طموح لا يتوقف
في الوقت الحالي، تسعى بيري لاستكمال مسيرتها الأكاديمية من خلال الدكتوراه في الإعلام الرياضي، إلى جانب تطوير أدواتها المهنية والعمل في قناة بمستوى Class A، مؤكدة أن أي إنجاز تحققه لا تراه سوى 1% من طموحها الحقيقي.وتؤمن بأن المذاكرة والتطوير لا يتوقفان مهما وصل الإنسان.
• دعم عائلي وروحي
لا تُخفي بيري محمد امتنانها للدعم الكبير الذي تلقته من والدتها وأشقائها، إلى جانب ما تصفه بـ“الأب الروحي” في مسيرتها، الكابتن سامح فتحي، رئيس مجلس إدارة منظومة سفنكس سبورت، الذي كان – ولا يزال – داعمًا أساسيًا لها في خطواتها المهنية.
تختصر بيري محمد رؤيتها في جملة واحدة:«الرياضة في مصر ليست كرة قدم فقط»
مبدأ تحمله في عملها، وتراهن عليه في مشروعها الإعلامي، وتسعى من خلاله إلى إعادة التوازن للمشهد الرياضي، وإعطاء كل لعبة وكل بطل حقه في الضوء.في ختام هذا الحوار، تبدو بيري محمد نموذجًا للإعلامية التي لم تدخل المجال بحثًا عن حضور أو شهرة، بل انطلقت من قناعة راسخة بأن الإعلام رسالة ومسؤولية، وبأن الرياضة وعي قبل أن تكون بطولة.
تجربة تشكّلت ملامحها بين الدراسة الجادة، والتدريب الشاق، والرهان على ملفّات مسكوت عنها، فاختارت الطريق الأصعب: الدفاع عن الألعاب الفردية، والانحياز لقضايا البراعم والناشئين، ومواجهة الخلل من جذوره لا من عناوينه. ورغم التحديات المرتبطة بكونها امرأة في مجال شديد الخصوصية مثل الإعلام الرياضي، تمسّكت بقرارها، وراكمت الخبرة خطوة بخطوة، دون ضجيج أو استعراض.
واليوم، وهي تخطط لاستكمال مشوارها الأكاديمي بالدكتوراه، وتطوير حضورها المهني على منصات أكثر تأثيرًا، تواصل بيري محمد العمل بعقلية الباحثة لا المذيعة فقط، وبشغف الطفلة التي أحبت الرياضة يومًا ولم تتخلَّ عنها. تجربة تؤكد أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بما تحقق، بل بما لا يزال قيد الحلم، وبأن الإيمان بالفكرة قد يصنع فارقًا يتجاوز الشاشة إلى واقع رياضي أكثر عدلًا وإنصافًا.








