dhl
dhl

(حوار خاص)..مهندسة برؤية سياسية “تسنيم الخولي” تكشف كيف تُبنى المدن وتُصنع القيم

القاهرة – مي عبده:

من المعمار إلى الموضة الخضراء… تسنيم الخولي نموذج مصري يجمع بين التخطيط، الابتكار، والاستدامة

في زمن تتسارع فيه التحولات العالمية، وتتشابك فيه مفاهيم التنمية، لم يعد النجاح حكرًا على التخصص الواحد، بل أصبح نتاج رؤية شاملة قادرة على الربط بين المعرفة، والواقع، والإنسان. من هنا تبرز تجربة المهندسة تسنيم الخولي كأحد النماذج النسائية المصرية الملهمة، التي استطاعت أن تجمع بين العمارة، والسياسة العامة، والتنمية المستدامة، وريادة الأعمال، لتقدم مسارًا مهنيًا متوازنًا يعكس روح “الجمهورية الجديدة”.

تسنيم الخولي ليست فقط مهندسة معمارية، بل هي عقل تخطيطي يؤمن بأن العمارة ليست مبانٍ فقط، وإنما حياة تُبنى، وهوية تُصان، ومستقبل يُخطط له. حاصلة على ماجستير الدراسات السياسية والاستراتيجية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وخريجة برنامج “المرأة تقود” بالأكاديمية الوطنية للتدريب، وخبيرة بوزارة الإسكان، إلى جانب كونها مصممة أزياء، ومؤسسة ورئيسة مبادرة صنع في مصر Eco Green، وصاحبة شركة Darcy Group، ومصممة معتمدة في الابتكار وريادة الأعمال من الاتحاد الأوروبي، وخبيرة تنمية مستدامة معتمدة أوروبيًا.

في هذا الحوار، نقترب أكثر من ملامح رحلتها، ونستكشف كيف استطاعت أن تدمج بين العمارة والموضة، وبين التخطيط العمراني والبيئة، وبين الهوية المصرية والتنافسية العالمية.

في البداية، نودّ التعرف عليكِ… كيف بدأت رحلتك في عالم التصميم المعماري؟

بدأت رحلتي كمهندسة معمارية من خلال المشاركة في عدد من المشروعات القومية الكبرى، من بينها المتحف المصري الكبير خلال مراحل بنائه، إلى جانب مشروعات معمارية خاصة بالمنتجعات السياحية. حاليًا أعمل في مجال التخطيط العمراني بوزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، وشاركت في مشروعات متعددة مرتبطة بالتنمية العمرانية الشاملة والمستدامة.من التجارب المؤثرة جدًا في مسيرتي مشاركتي في مشروعات المبادرة الرئاسية حياة كريمة بوجه بحري، حيث عملت على عدد من القرى والعزب والنجوع.

هذه التجربة لم تكن مجرد عمل مكتبي، بل تواصل مباشر مع الواقع، ومناقشة فعلية لاحتياجات كل قرية من خلال الوحدات المحلية. هذا الاحتكاك جعلني أؤمن أكثر بأهمية أن تكون الخطط العمرانية نابعة من احتياجات المواطن الحقيقية، وهو ما يتماشى مع توجه الدولة في الجمهورية الجديدة تحت رعاية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي.

ومن هنا جاء اختياري لموضوع رسالة الماجستير بعنوان “القضاء على العشوائيات في إطار الخطة القومية الشاملة للدولة المصرية”، لرصد وتسليط الضوء على جهود الدولة في هذا الملف، مع تقديم توصيات تضمن استدامة النتائج.

—ما الدافع الذي جعلكِ تختارين الهندسة المعمارية تحديدًا دون غيرها؟

منذ طفولتي وأنا أعشق الفن، والألوان، والرسم، والتنسيق. وعندما التحقت بكلية الهندسة، شعرت أن العمارة هي المجال الوحيد الذي يجمع بين هذه الهوايات وبين العقلانية والحكمة والتخطيط المنهجي. العمارة تفتح باب الإبداع والابتكار، ولكن على أسس علمية واضحة، وهو ما جذبني إليها بشدة، خاصة مع التوجه العالمي الحالي نحو المدن الذكية والمستدامة.

—هل هناك معماريون أو مدارس تصميمية أثّرت في رؤيتك المهنية؟

قدوتي ومثلي الأعلى هي المعمارية العالمية زها حديد. تأثرت بها كثيرًا، ليس فقط كمهندسة مبدعة، بل كنموذج إنساني ونسوي قوي. زها حديد جسّدت القوة، والابتكار، والقدرة على استشراف المستقبل من خلال التصميم. كما عبّرت تجربتها عن التحديات التي تواجه المرأة في المجتمع وفي سوق العمل، حيث لا يكون العنف دائمًا مباشرًا، بل قد يظهر في صورة عقبات أو محاولات لإعاقة النجاح، وهو ما تعلمت منه الصمود والإصرار.

إلى أي مدى تؤمنين بأن العمارة يجب أن تعكس هوية وثقافة المكان؟

أنا مؤمنة تمامًا بأن كل الفنون، دون استثناء، تعكس الهوية والثقافة، سواء كانت عمارة، أو أزياء، أو فنون بصرية. ومن هنا جاء دخولي إلى عالم الموضة الخضراء كامتداد طبيعي لعملي، لأن العمارة والموضة عبر العصور كانتا دائمًا مرآة للحقبة الزمنية وروحها.اليوم، أصبحت استدامة الهوية والثقافة المصرية أمرًا بالغ الأهمية، ليس فقط للحفاظ على التراث، بل أيضًا لتحقيق تميز وتنافسية عالمية، خاصة في ظل التوجهات الدولية نحو الاستدامة.

ما اللحظة المهنية التي كانت نقطة تحوّل في مسيرتك؟

نقطة التحول الحقيقية كانت منذ نحو ثلاث سنوات، عندما أسست شركتي الخاصة في مجال الملابس، وتوجهت إلى الملابس المستدامة مستفيدة من دراساتي الأوروبية حول الموضة الخضراء. بدأت أركز في تصميماتي على نماذج الأعمال المستدامة التي تحقق قيمة حقيقية، ليس فقط من حيث الشكل، ولكن من حيث الوظيفة، والأثر البيئي، والبُعد الاجتماعي.

هدفي الأساسي هو المساهمة في مواجهة التغيرات المناخية، وطرح تساؤل جوهري: كيف نحقق تنمية اقتصادية مستدامة في قطاع شديد التأثير مثل صناعة الأزياء؟ ومن هنا جاءت مبادرتي صنع في مصر Eco & Green، لتوجيه الشباب، ورواد الأعمال، والمصنعين، ومصممي الأزياء نحو نماذج أعمال مستدامة تفتح آفاقًا استثمارية جديدة وتدعم الاقتصاد الوطني.

ما أكثر تعليق أثّر فيكِ خلال مسيرتك المهنية؟

أكثر ما يلامسني هو عندما أرى أثر النصيحة في مسار الشباب. دائمًا أنصح الخريجين ورواد الأعمال بأن يطمحوا للمنافسة العالمية، وأن يتجهوا إلى مفهوم Slow Fashion، وأن يواكبوا تغيرات سوق العمل باستمرار. النجاح الحقيقي ليس في الربح السريع، بل في بناء مسار مستدام قائم على التطوير المستمر.

ما المشاريع التي تتمنين تنفيذها مستقبلًا؟

بعد عامين من العمل الجاد داخل مبادرة صنع في مصر Eco Green، والتعاون مع عدد من الوزارات والجهات الحكومية والجمعيات، أطلقنا مؤخرًا مشروع OpenMed لرواد الأعمال والمصنعين، بالتعاون مع مؤسسة Progettosud وشركاء أوروبيين ومحليين، من بينهم اتحاد الصناعات المصرية والمركز القومي للبحوث.المشروع يمتد لثلاث سنوات، ويستهدف تخريج نماذج أعمال مستدامة في مجالي الملابس والجلود، ودعم إنشاء شركات صغيرة قادرة على المنافسة عالميًا. كما تقدم المبادرة خدمات توعوية وتدريبية عبر منصات التواصل الاجتماعي، وبالتعاون مع الجامعات والمصانع، لنشر ثقافة الاستدامة في قطاع الأزياء.

ما الرسالة التي تودين توجيهها للشباب الراغبين في دخول مجالي العمارة أو الأزياء؟

أهم شيء هو الإيمان بالنفس، والسعي المستمر، والعمل بخطوات ثابتة حتى لو كانت بطيئة. النجاح السريع غالبًا ما يزول سريعًا، لكن النجاح القائم على الإبداع والاستمرارية يدوم. حافظوا على هويتكم وثقافتكم المصرية، واعتبروا البيئة عنصرًا أساسيًا في أي مشروع، واسألوا دائمًا: ما القيمة التي أضيفها من خلال عملي أو علامتي التجارية؟حوار يعكس تجربة تؤمن بأن المستقبل يُصنع بالوعي، وأن الإبداع الحقيقي هو ذاك الذي يخدم الإنسان، ويحترم البيئة، ويعتز بالهوية.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.