dhl
dhl

«الست» لا تُغنّي وحدها: جدل يتجاوز الفيلم إلى فكرة الفن نفسها

القاهرة _ أميرة المحمدي:

أثار فيلم «الست» موجة واسعة من الجدل والهجوم منذ اللحظات الأولى للإعلان عنه، قبل أن تتاح للجمهور فرصة مشاهدته كاملة، وهو ما جعله واحدًا من أكثر الأعمال السينمائية المصرية إثارة للنقاش خلال الفترة الأخيرة.

العمل الذي يتناول سيرة كوكب الشرق أم كلثوم، إحدى أهم الرموز الفنية في تاريخ مصر والعالم العربي، وجد نفسه في مواجهة حالة استقطاب حادة بين من رأوا فيه محاولة جريئة لتقديم شخصية أيقونية برؤية معاصرة، ومن اعتبروا أن مجرد الاقتراب من هذه السيرة يحمل مخاطرة لا تغتفر.الهجوم على الفيلم لم يكن فنيًا فقط، بل اتخذ أبعادًا اجتماعية وثقافية واضحة، خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تصدرت مشاهد من الإعلان الترويجي وتعليقات صُنّاع العمل قوائم التفاعل، وتحوّل النقاش سريعًا من تقييم فني محتمل إلى أحكام مسبقة.

كثير من الانتقادات وُجّهت قبل العرض الرسمي، واتسمت بحدة غير معتادة، معتبرة أن العمل لا يليق بقيمة أم كلثوم التاريخية، وأن أي معالجة درامية لشخصيتها يجب أن تلتزم بنموذج مثالي لا يقبل التأويل أو إعادة القراءة.

وزاد من حدة الهجوم تصريحات الكاتب أحمد مراد خلال إحدى الفعاليات الفنية، والتي فُسّرت على نطاق واسع باعتبارها مقارنة غير موفقة، ما أشعل موجة غضب وانتقادات حادة، دفعت الكاتب لاحقًا إلى توضيح موقفه والتأكيد على أن حديثه خرج عن سياقه ولم يحمل أي إساءة مقصودة.

إلا أن تلك التصريحات، رغم التوضيح، كانت كافية لتغذية الجدل وتحويل الفيلم إلى قضية رأي عام قبل دخوله قاعات السينما.الهجوم لم يقتصر على السيناريو أو التصريحات، بل امتد إلى أداء بطلة الفيلم منى زكي، حيث انقسم الجمهور بين مؤيد يراها قادرة على تقديم الدور بعمق إنساني، ومعارض يرى أن شخصية بحجم أم كلثوم لا يمكن تجسيدها بسهولة، وأن أي اختلاف في الملامح أو الأداء يُعد انتقاصًا من الرمز.

هذا الجدل أعاد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا متجددًا حول حدود تجسيد الرموز التاريخية في السينما، وهل يُفترض بالفن أن يقدمها بوصفها شخصيات إنسانية قابلة للاجتهاد، أم أيقونات مغلقة لا تقبل المعالجة الدرامية.في المقابل، خرج عدد من الفنانين والإعلاميين للدفاع عن الفيلم، معتبرين أن الهجوم تجاوز النقد الفني المشروع إلى نوع من الوصاية الثقافية، وأن الحكم على عمل فني قبل مشاهدته بالكامل يُفرغ النقد من معناه الحقيقي.

وأكد المدافعون أن السينما ليست تسجيلًا وثائقيًا، بل رؤية إبداعية تحتمل الاختلاف، وأن تناول سيرة أم كلثوم لا يعني المساس بقيمتها، بل قد يكون محاولة لإعادة تقديمها للأجيال الجديدة بلغة زمنها.ومع عرض الفيلم، بدأت تظهر آراء أكثر توازنًا، إذ انقسمت التقييمات بين من رأى أن العمل يحمل نقاط ضعف فنية تتعلق بالسرد أو الإيقاع، وبين من اعتبره تجربة محترمة اجتهدت في الاقتراب من شخصية شديدة التعقيد.

إلا أن اللافت أن حجم الهجوم المسبق ظل أكبر بكثير من النقد اللاحق، ما طرح تساؤلات حول دور السوشيال ميديا في صناعة الأحكام المسبقة، وتأثيرها على استقبال الأعمال الفنية، خاصة تلك التي تتناول رموزًا ذات مكانة وجدانية خاصة.في النهاية، يمكن القول إن الهجوم على فيلم «الست» تجاوز حدود الفيلم نفسه، ليعكس حالة أوسع من التوتر بين الفن والجمهور، وبين الرغبة في حماية الرموز والخوف من إعادة تفسيرها.

وبينما سيظل الجدل قائمًا حول جودة العمل واختيارات صُنّاعه، يبقى الثابت أن اسم أم كلثوم ما زال قادرًا على إشعال النقاش بعد عقود من رحيلها، وأن أي محاولة للاقتراب من سيرتها ستظل محاطة بالأسئلة، والاختلاف، وربما الهجوم… باعتباره جزءًا من ثمن الاقتراب من الأسطورة.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.