(حوار خاص)..”المستشارة هايدي الفضالي” قاضية كسرت الصمت وفتحت ملفات المسكوت عنه في الأسرة والطفولة والعدالة
القاهرة – مصطفى المصري:
في عالم مليء بالصراعات الاجتماعية والتحديات القانونية، تتحول قاعات المحاكم إلى مرآة للمجتمع نفسه. هنا، كل قضية ليست مجرد ملف يُفتح أو حكم يُصدر، بل هي سرد لحياة أشخاص يكافحون من أجل البقاء، أو أطفال يواجهون مصاعب لم يكن لهم يد فيها، أو نساء حاولن أن يجدن العدالة وسط نظام تقليدي أحيانًا يظلمهن.
في هذا المشهد المعقد، يظهر صوت المستشارة هايدي الفضالي، قاضية سابقة ومستمرة في العمل القانوني، كشخصية غير عادية، لم تختار الطريق السهل، بل سلكت طريق المواجهة مع الحقائق الصعبة، سواء في الأسرة أو في قضايا جنايات الأحداث، أو في أي مجال يتقاطع مع العدالة الإنسانية.
المستشارة هايدي لم تتعامل مع القانون باعتباره وظيفة روتينية، بل كرسالة ومسؤولية، ووسيلة لنشر الثقافة القانونية، وحماية الحقوق، وفتح حوارات لم يكن المجتمع يجرؤ على فتحها.
من الأسرة إلى الطفل، ومن الطلاق إلى التعدد، ومن حقوق المرأة إلى الرعاية المشتركة، تغوص هايدي في أعماق القضايا، وتضع الحلول العملية بعيدًا عن التهريج أو الترند الإعلامي.
من هي المستشارة هايدي الفضالي؟ حدثينا عن رحلتك في القضاء ومسيرتك المهنية.
توليت منصب رئيسة محكمة الأسرة قبل كده (أسرة السادات)، وكنت من أوائل القاضيات اللي مسكوا العمل الجنائي، وكنت من ضمن 12 قاضية في مصر في البداية».
هذه الجملة البسيطة تختصر سنوات طويلة من العمل القانوني الشاق، حيث شغلت عدة مناصب قيادية:رئيسة محكمة الأسرة (أسرة السادات)رئيسة محكمة جنايات الأحداث (الطفل)رئيسة محكمة جنح مستأنف رئيسة محكمة مدني لمدة 8 سنوات إلى جانب سنوات طويلة في القضاء العادي.

هذه المسيرة النادرة جمعت بين أخطر ملفات الجنايات، وأدق تفاصيل قضايا الأسرة، وأكثر النزاعات المدنية تعقيدًا، مما منحها خبرة واسعة وفهمًا عميقًا للواقع الاجتماعي والقانوني في مصر.
من أين بدأت رحلتك مع القانون؟
وكيف كانت الطموحات المبكرة؟منذ التحاقي بكلية الحقوق – حقوق إنجليزي جامعة القاهرة – كان هدفي واضحًا: دخول السلك القضائي، ثم التوسع لاحقًا في القطاع الخاص القانوني (Private Sector). لم يكن هذا مجرد حلم، بل خطة مدروسة، دعمتها بتفوقي الدراسي، ثم باستكمال دراستي عبر دبلومة التجارة والاستثمار الدولي من جامعة القاهرة.كنت دائمًا عاشقة للقانون المدني، المعروف بـ«أبو القوانين»، لما له من دور محوري في تنظيم العلاقات بين الأفراد.
هذا الاهتمام ساعدني لاحقًا على التعامل مع ملفات الأسرة المعقدة، وفهم النزاعات من منظور أعمق، لا يقتصر على النصوص فقط، بل يشمل الواقع الإنساني والاجتماعي لكل طرف.
كيف تعاملت مع محكمة الأسرة؟ وما أبرز التحديات التي واجهتها هناك؟
رغم أن فترة عملي في محكمة الأسرة لم تكن الأطول، إلا أن تأثيري فيها كان بالغًا. بالنسبة لي، محكمة الأسرة ليست مجرد مكان للفصل في نزاع، بل ساحة إنقاذ أخير للأسرة قبل الانهيار الكامل.
الناس كثيرًا ما يعتقدون أن قوانين الأسرة تميل لصالح المرأة، بسبب النفقة والحضانة، لكن الواقع مختلف تمامًا:النفقة غالبًا ضئيلة ولا تعكس الدخل الحقيقي للزوج.
بعض الأزواج الذين ينفقون عشرات الآلاف شهريًا قد تُحدد نفقتهم القانونية بأرقام لا تكفي الحد الأدنى.
بعض الزوجات لا يحضرن الجلسات خوفًا من العنف أو الإهانة، فيكتفين بإرسال المحامي، بينما يحضر الزوج بنفسه، في مشهد يعكس خلل ميزان القوة داخل المحكمة وخارجها.
ما رؤيتك للطلاق وكيف يجب التعامل معه قانونيًا وإنسانيًا؟
الطلاق في ذاته ليس جريمة، فهو «شرع من عند الله»، لكن المشكلة تكمن في الطلاق الغيابي واستخدام الطلاق كسلاح للانتقام. استمرار الزواج الفاشل قد ينتهي بكوارث حقيقية: عنف أسري، تشويه، قتل.
الطلاق الصحي، المنضبط قانونيًا وإنسانيًا، أفضل ألف مرة من استمرار حياة زوجية مسمومة، بشرط حماية الطفل نفسيًا واجتماعيًا، لأنه «الضحية الأولى والأخيرة».
ما المخاطر المرتبطة بالطلاق الغيابي؟
الطلاق الغيابي أحد أكبر أبواب التلاعب في قانون الأسرة. الزوج قد يطلق دون علم الزوجة، يعطي المأذون عنوانًا خاطئًا، أو يتحايل على العقوبات القانونية.
لذلك أطالب بإلغاء الطلاق الغيابي أو جعله لا يتم إلا بحكم قضائي، مع مساعي صلح حقيقية بحضور الطرفين. غياب هذه الضوابط يفتح باب التشكيك في الإرادة الحرة، كما حدث في قضايا رأي عام تحولت إلى جدل إعلامي واسع.

ما واقع جنايات الأحداث في مصر؟
بحكم عملي كرئيسة سابقة لمحكمة جنايات الطفل، أرى واقعًا صادمًا: معظم الأطفال الجانحين أو المجرمين يأتون من أسر مفككة، رفعت قضايا على بعض وافتقدت القدوة.
نماذج من القضايا:فتاة قاصر قتلت مولودتها بعد حمل سفاح.طفل قتل طفلًا بعد هتك عرضه خوفًا من الفضيحة.
أطفال ارتكبوا جرائم قتل لأسباب عبثية.
القانون الحالي، الذي يمنع الحبس قبل سن 15 عامًا، لم يعد يتماشى مع واقع اليوم، حيث أصبح الطفل أداة في جرائم جسيمة بفعل السوشيال ميديا والانفتاح غير المنضبط.
اقتراحي:عدم إعدام الطفل نهائيًا
استحداث حبس إصلاحي من سن 7 سنوات في الجرائم الجسيمة
إعادة النظر في الإيداع في دور الرعاية فقط
كيف ترين دور الأب في حياة الطفل وما أهمية الرعاية المشتركة؟
غياب الأب عن حياة الطفل جريمة تربوية حقيقية. لذلك أدافع عن:الرعاية المشتركة
الاستضافة والمبيت بشكل منظم
صلة الرحم مع عائلة الأبالطفل ليس طرفًا في النزاعات، بل الضحية الأولى، ويجب حماية حياته النفسية والاجتماعية.
ما أهم التعديلات القانونية التي تضغطين من أجلها في منظومة الأسرة؟
أطالب بتعديلات عدة:استمرار بيت الحضانة حتى سن الزواج أو العمل، للحفاظ على استقرار الطفل.
عدم نقل الحضانة تلقائيًا من الأب الأرمل، لتجنب صراعات إضافية.
إعادة النظر في الطلاق الغيابي، بحيث لا يتم إلا بحكم قضائي بعد محاولة الصلح.
حماية الأطفال من استغلالهم كورقة ضغط أو أداة في النزاعات الأسرية. كيف تتعاملين مع قضايا الرأي العام؟
تعاملت مع قضايا أثارت جدلًا واسعًا، مثل:قضية نورهان في واقعة بورسعيد
قضايا إعلاميين وفنانين
أرفض استخدام القضايا كوسيلة للتريند، وهددت باتخاذ إجراءات قانونية ضد من ينشر أخبارًا كاذبة أو يتاجر بالقضايا.
ما موقفك من مشاركة المرأة في العمل وتأثيرها على الأسرة ونسب الطلاق؟
الشغل أصبح أمانًا واستقلالًا للمرأة، لكنه لا يعني أن الرجل غير مسؤول. الرجل قد يترك البيت في أي لحظة، والمشاركة في المصروفات أصبحت واقعًا لا يمكن إنكاره. الإعلام يجب أن يقدم نماذج إيجابية للأسرة بدل التركيز على العنف.
التعدد كان من أكثر المواضيع التي أثارت جدلًا… ما موقفك القانوني والإنساني منه؟
التعدد ليس حلالًا إلا للضرورة القصوى وبشروط قاسية، مستندة إلى نصوص قرآنية واضحة تشترط العدل.
التعدد بدون عدل يؤدي إلى أزمات نفسية واجتماعية للأطفال والزوجات، والقانون يجب أن يكون أداة لمنع الضرر وليس لتسهيله. كيف تفسرين العلاقة بين القانون والشرع؟قانون الأحوال الشخصية مستمد من الشريعة الإسلامية. الخلع له سند شرعي واضح.
أي قانون يمر بلجان من الأزهر ودار الإفتاء. الخلع، رغم إساءة استخدامه أحيانًا، قد يكون رحمة تمنع كارثة أكبر، ووسيلة لإنقاذ الأسرة من الانهيار.
ما هي أصعب القضايا التي واجهتيها في جنايات الأحداث؟
كثير من القضايا الصعبة كانت في جنايات الأحداث، مثل:فتاة قاصرة قتلت مولودتها في الحمام
ولد قتل آخر بعد هتك عرضه خوفًا من الفضيحة
حوادث قتل عبثية لأسباب بسيطة
هذه القضايا تظهر الجانب المظلم للمجتمع، وأهمية التدخل القانوني المبكر والإصلاح الأسري.
ختامًا: ماذا تريدين أن يعرف الناس عنك وعن فلسفة عملك؟
أنا لم أختار الصمت، ولم أختار الطريق السهل. القانون بالنسبة لي رسالة ومسؤولية، والأهم الإنسان والطفل والأسرة.ما ضاع حق وراءه مطالب، ليست مجرد عبارة… بل فلسفة حياة ومسار كامل، أؤمن به، وأسعى من خلاله لنشر العدالة الإنسانية الحقيقية في مصر.



