منذ أكثر من قرن، لم يكن «الروتاري» مجرد اسم لمنظمة تطوعية، بل تحوّل إلى فلسفة إنسانية متكاملة، عنوانها الأبرز «الخدمة فوق الذات»، ومضمونها الحقيقي أن تتحوّل القيم إلى فعل، والنوايا إلى أثر ملموس في حياة الناس.
فمنذ تأسيسه عام 1905 في مدينة شيكاغو الأمريكية على يد المحامي بول هاريس، انطلق الروتاري كشبكة تجمع المهنيين وأصحاب الخبرات من مختلف المجالات، بهدف واحد: خدمة المجتمع بعيدًا عن السياسة والربح، وبقرب شديد من احتياجات البشر.
اليوم، ينتشر الروتاري الدولي في أكثر من 200 دولة ومنطقة جغرافية، عبر ما يزيد على 35 ألف نادٍ، ويضم أكثر من 1.2 مليون عضو من قادة الأعمال والمتخصصين والمتطوعين.
ورغم هذا الاتساع الجغرافي، حافظ الروتاري على جوهر فكرته الأولى: أن تكون الخدمة نابعة من الإنسان، وموجّهة للإنسان، وأن يكون العمل التطوعي فعلًا مباشرًا لا مجرد شعارات.يعتمد الروتاري عالميًا على مجالات خدمة واضحة تُعرف بـ«محاور العمل»، وهي محاور لا تُنفّذ على الورق، بل تُترجم إلى مشروعات مستدامة.
وتشمل هذه المجالات مكافحة الأمراض، وعلى رأسها القضاء على شلل الأطفال، ودعم التعليم ومحو الأمية، وتحسين صحة الأمهات والأطفال، وتوفير المياه النظيفة والصرف الصحي، وتنمية المجتمعات اقتصاديًا، ودعم ذوي الاحتياجات الخاصة، إضافة إلى تعزيز السلام وحماية البيئة في التوجهات الحديثة.ويُعد برنامج القضاء على شلل الأطفال أحد أهم وأشهر إنجازات الروتاري على مستوى العالم.

فمنذ إطلاق حملة End Polio Now في ثمانينيات القرن الماضي، كان الروتاري شريكًا أساسيًا لمنظمة الصحة العالمية واليونيسف في حملات التطعيم العالمية، وساهم بمئات الملايين من الدولارات وجهود المتطوعين، ما أدى إلى انخفاض معدلات الإصابة بالمرض عالميًا بنسبة تتجاوز 99%. ولم يكن هذا الدور بعيدًا عن مصر، التي شارك فيها الروتاري، عبر عقود، في حملات التطعيم القومية بالتعاون مع وزارة الصحة، ضمن الجهود التي أسهمت في القضاء على المرض داخل البلاد.
الروتاري في مصر… تاريخ ممتد وأثر متراكم
دخل الروتاري مصر عام 1929 مع تأسيس أول نادٍ له في القاهرة، ومنذ ذلك الوقت ترسّخ وجوده كأحد الكيانات التطوعية الفاعلة في المجتمع المصري. وعلى مدار ما يقرب من قرن، توسعت شبكة الروتاري لتضم أكثر من 125 ناديًا في مختلف المحافظات، ويصل عدد أعضائه إلى نحو 2900 عضو، يعملون تحت مظلة «المقاطعة 2451» التي تُنظّم عمل النوادي داخل مصر منذ عام 2013.
تميّز الروتاري المصري بتنوّع مشروعاته، التي شملت برامج واسعة لمحو الأمية، ودعم المدارس، وتنفيذ قوافل طبية، وتطوير وحدات صحية، والمشاركة في حملات الصحة العامة، إضافة إلى مشروعات المياه والصرف الصحي في القرى الأكثر احتياجًا، وتمكين المرأة اقتصاديًا، ودعم ذوي الاحتياجات الخاصة.
كما لعبت المرأة دورًا لافتًا داخل الروتاري المصري، حيث تشكّل النساء ما يقرب من 47% من الأعضاء، وتولّت السيدات مناصب قيادية منذ التسعينيات.
«الجنيه يوصل جنيه»… فلسفة الشفافية في العمل التطوعي
ضمن هذا السياق، تبرز رؤية خاصة عبّرت عنها إيمان هاني مساعد محافظ منطقة بوضوح، حين قالت:«نحن في الروتاري المكان الوحيد الذي يصل فيه الجنيه جنيهًا صافيًا إلى المستفيد.
لا نريد أن نصرف أي أموال خارج إطار الخدمة، الهدف الوحيد أن تصل المساعدة كاملة لمن يحتاجها».هذه الفلسفة لا تعبّر فقط عن حرص مالي، بل عن مفهوم عميق للشفافية والثقة، وهو ما يميّز تجربة الروتاري، سواء عالميًا أو محليًا. كما تؤكد أن الروتاري في مصر يعتمد على شراكات حقيقية مع مؤسسات المجتمع المدني، بما يضمن استدامة المشروعات وعدم تحولها إلى مجرد نشاط موسمي أو دعائي.
«روتاري جيزة الصيد»… حين تتحوّل الرؤية إلى نموذج تطبيقي
انطلاقًا من هذه القيم، جاء تأسيس «روتاري جيزة الصيد» داخل نادي الصيد، كمحاولة واعية لخلق كيان قادر على خدمة الأعضاء والعاملين، وفي الوقت نفسه تقديم مبادرات حقيقية للمجتمع المحيط. ومع مرور الوقت، لم يعد النادي مجرد مساحة للقاءات، بل تحوّل إلى نموذج نشط في العمل المجتمعي، ينفّذ قوافل طبية، ومبادرات صحية وتعليمية، ويدعم المدارس، ويشارك في مشروعات المياه والصرف الصحي، إلى جانب الزيارات الاجتماعية وحملات محو الأمية.وتؤكد إيمان هاني دائمًا أن «الميزة في الروتاري ليست في أنك تخدم فقط، بل في أنك تخدم بيدك، وترى أثر الخدمة بعينك»، وهي عبارة تلخص جوهر التجربة، حيث يصبح المتطوع شاهدًا مباشرًا على التغيير الذي يصنعه.
ولم تكن مشروعات «روتاري جيزة الصيد» مجرد أنشطة متفرقة، بل جاءت ضمن رؤية ممتدة لخمس سنوات، اختار فيها النادي التركيز على قرية واحدة فقط هي «منيل السلطان» بمركز أطفيح في محافظة الجيزة. كان القرار واضحًا: التعامل مع القرية كوحدة متكاملة، ومتابعة كل تفاصيلها، بدلًا من تشتيت الجهود.

وخلال ثلاث سنوات من العمل المتواصل، تم توصيل وصلات المياه، وصيانة شبكات الصرف الصحي، وتجديد منازل الأسر الأكثر احتياجًا، وإنشاء مشغل للسيدات بهدف تمكينهن اقتصاديًا، إلى جانب تنفيذ قوافل طبية دورية، وتطوير المدارس، وتنجيل ملعب، وفتح فصل لمحو الأمية. تجربة أثبتت أن خدمة المجتمع لا تُقاس بعدد المشروعات، بل بعمق تأثيرها واستمرارها.
الروتاري… خدمة تُقاس بالأثر لا بالشعارات
في المحصلة، لا يمكن اختزال الروتاري في نشاط واحد، ولا حتى في برنامج بحجم القضاء على شلل الأطفال، رغم أهميته. فالروتاري منظومة متكاملة تعمل على الصحة والتعليم والتنمية والمياه وتمكين الإنسان، وتقوم فلسفته على الشراكة والعمل المباشر والاستدامة.
إن تجربة الروتاري، عالميًا وفي مصر، تطرح نموذجًا مختلفًا للعمل التطوعي، نموذجًا لا يكتفي بتقديم المساعدة، بل يسعى إلى إحداث تغيير حقيقي، يبدأ من الإنسان وينتهي إليه، ويثبت أن الخدمة حين تكون واعية ومنظمة، يمكن أن تتحول من جهد فردي إلى أثر مجتمعي طويل المدى.


