حوار خاص..«أنا لا أنتظر فرصة… أنا أصنعها» سماح السعيد… من الإعداد خلف الكاميرا إلى تقديم بودكاست «بالعربي»
القاهرة _ أميرة المحمدي:
لم تأتِ سماح السعيد إلى الإعلام بحثًا عن شهرة سريعة أو حضور عابر، بل جاءت إليه محمّلة بتجربة إنسانية ومهنية تشكّلت منذ الطفولة.
نشأت في بيتٍ يقدّس العلم والانضباط؛ فوالدها مدير مدرسة، ووالدتها مديرة قسم الحاسب الآلي في شركة مصر للسيارات، وبين هذين النموذجين تعلّمت مبكرًا أن الطريق لا يُمهَّد بالأسماء ولا يُختصر بالوساطات.
درست في المدرسة التي كان والدها مديرًا لها، ومع ذلك لم تحظَ يومًا بمعاملة استثنائية، بل كانت تُعامَل كأي طالبة أخرى، وهو ما رسّخ داخلها قناعة واضحة بأن الاعتماد على الذات هو السبيل الوحيد للحصول على الحق، وأن الاجتهاد لا بديل عنه.اختارت دراسة علم الاجتماع، مدفوعة برغبتها في فهم الإنسان والمجتمع، لا الاكتفاء بمراقبتهما من الخارج.

ولم تتوقف عند الدرجة الجامعية، بل واصلت طريقها الأكاديمي، لتُحضّر حاليًا درجة الماجستير في علم الاجتماع، في مسار يعكس وعيها بأن الإعلام الحقيقي لا ينفصل عن المعرفة، وأن المذيع الجيد هو في الأساس قارئ جيد وباحث دائم.لم يكن الإعلام خيارًا مخططًا له في بداياتها، بل جاءت إليه مصادفة في لحظة فارقة من تاريخ مصر. خلال أحداث الخامس والعشرين من يناير، كانت تنزل إلى ميدان التحرير مع أصدقائها، قبل أن تُعرض عليهم فرصة عمل في قناة “25 يناير” التابعة لوكالة فيديو كايرو، المملوكة للإعلامي محمد جوهر.
هناك بدأت سماح أولى خطواتها كمُعِدّة برامج، وهي تصف نفسها في تلك المرحلة بأنها كانت مبتدئة للغاية، لكنها امتلكت شغفًا حقيقيًا بالتعلّم، ولم تخجل يومًا من طلب المساعدة أو الاعتراف بعدم المعرفة، إيمانًا منها بأن السؤال لا ينتقص من قدر صاحبه، بل يصنعه.بعد عام من العمل، انتقلت إلى قناة التحرير، حيث شاركت في إعداد برنامج “طوق نجاة” مع الإعلامية شيرين بكر، ثم عملت مع الإعلامي محمد الغيطي في برنامج “صح النوم”.
وفي تلك المرحلة، خاضت أول تجربة إعداد كاملة بمفردها، وتولّت منصب مدير تحرير، في فترة كانت فيها المساحات الإعلامية واسعة، والنقل المباشر من الميدان حاضرًا بقوة، ما منحها خبرة مهنية مكثفة، وشكّل وعيها بأهمية المسؤولية الإعلامية في لحظات التحوّل.تؤمن سماح أن الإعداد هو العمود الفقري لأي تجربة إعلامية ناجحة، وأن المذيعة التي تُعد جيدًا تكون أكثر حضورًا وثقة. لذلك، حتى بعد انتقالها إلى التقديم، لم تتخلَّ يومًا عن إعداد نفسها بنفسها، معتبرة أن المعرفة الدقيقة بالضيف، وتاريخه، ومواقفه، وشخصيته، هي مفتاح أي حوار حقيقي يحترم عقل المشاهد.

بعد قناة التحرير، انتقلت إلى قناة الغد، وكان هدفها في البداية الاستمرار في العمل كمديرة تحرير برامج، إلا أن القائمين على القناة رأوا فيها مذيعة قادرة على التقديم. ورغم خوفها في ذلك الوقت من الظهور أمام الكاميرا، خضعت لاختبارات اللغة العربية وقدرتها التعبيرية، ووُضع لها برنامج تدريبي مكثف لمدة ثلاثة أشهر، لكنها ظهرت على الشاشة بعد شهر واحد فقط، وقدّمت برنامج “ضيف اليوم”. وبعد عام ونصف، قررت مغادرة القناة، في خطوة عكست ميلها الدائم لعدم التوقف طويلًا عند محطة واحدة.
انتقلت بعدها إلى قناة العاصمة لتقديم البرنامج الصباحي، بدافع رغبتها في العمل داخل قناة مصرية، ثم عُرض عليها تقديم برنامج “الملف” بالمشاركة مع مذيع آخر، إلا أن اختلاف الرؤية والأسلوب دفعها إلى اتخاذ قرار صعب بترك القناة، مفضّلة الابتعاد على الاستمرار في تجربة لا تشبهها.
في تلك المرحلة، اختارت سماح التفرغ للدراسة، فحصلت على تمهيدي الماجستير، وكان موضوع بحثها عن الذكاء الاصطناعي وتأثيره على المجتمعات، في انعكاس واضح لاهتمامها بالقضايا المستقبلية، وقدرتها على الربط بين الإعلام والتحولات الاجتماعية المتسارعة. وبعد عامين، عادت إلى العمل الإعلامي من خلال قناة مباشر قطر، ثم قناة صدى البلد، حيث قدمت برنامجًا اقتصاديًا في توقيت شهد طفرة عمرانية كبيرة.

ومع مرور الوقت، تحوّل البرنامج إلى محتوى تجاري بحت، ورغم نجاحه وانتقاله بين قنوات صدى البلد والنهار ودريم، فإن هذا المسار لم يكن متوافقًا مع طموحها، ما دفعها إلى التوقف مجددًا، رافضة الاستمرار في تقديم مضمون لا يعبّر عنها.تقول سماح السعيد إنها وضعت لنفسها معادلة واضحة: إما أن تقدم البرنامج الذي تريده، أو لا تعمل من الأساس. وبالفعل، توقفت لما يقارب العامين، رغم العروض المتكررة لتقديم نفس النوعية من البرامج الاقتصادية، إلى أن جاءت فكرة البودكاست.
عبر شركة “Target Solution”، التي يملكها إعلاميون سابقون اتجهوا إلى مجال الديجيتال، طُرح عليها في البداية استخدام صوتها فقط، لكنها اقترحت تنفيذ بودكاست متكامل تتولى فيه التقديم والإعداد معًا. ورغم التحفظ في البداية، انطلقت التجربة، ومن الحلقة الثانية بدأ صدى البودكاست في الظهور على منصة يوتيوب.
تصف سماح هذه التجربة بأنها توفيق ورسائل من الله، مؤكدة أنها بدأت البودكاست على مسؤوليتها الشخصية الكاملة. في البداية، اختارت ضيوفًا مثيرين للجدل لتحقيق الانتشار، فحققت بعض الحلقات أرقام مشاهدة لافتة، واستضافت شخصيات عامة أثارت حلقاتهم نقاشًا واسعًا، وأشاد بعضهم بالتجربة وردود الفعل التي أحدثتها.

وترفض سماح فكرة “الاسكريبت” الجاهز، مؤكدة أنها تحضّر لكل حلقة على مدار يومين كاملين، وتترك مساحة للحوار الطبيعي والتفاعل الإنساني. وكانت حلقة شاليمار شربتلي نقطة تحوّل حقيقية في مسار البودكاست، بعدها بدأت تختار ضيوفها بعناية أكبر، وبدأ البرنامج يأخذ شكلًا أكثر نضجًا وتأثيرًا.ويُعد بودكاست «بالعربي» الذي تقدمه سماح السعيد تجربة إعلامية مختلفة استطاعت في فترة زمنية قصيرة أن تفرض حضورها على الساحة الرقمية، رغم حداثة انطلاقها.
فخلال أشهر قليلة، نجح البودكاست في تحقيق نسب مشاهدة وتفاعل لافتة، جعلته ينافس برامج أكثر رسوخًا وانتشارًا على منصات التواصل الاجتماعي، مستندًا إلى محتوى يعتمد على الحوار الحقيقي، وطرح القضايا الشائكة بجرأة محسوبة، دون افتعال أو سعي مصطنع للترند. وقد حرصت سماح منذ البداية على اختيار ضيوف متنوعين ومؤثرين، من بينهم شاليمار شربتلي، حسام بدراوي، عبدالله رشدي، وغيرهم من الأسماء التي أثارت حلقاتهم جدلًا واسعًا ونقاشًا حقيقيًا بين المتابعين، وأسهمت في توسيع قاعدة جمهور البودكاست.
وشكّلت حلقة شاليمار شربتلي نقطة تحوّل بارزة في مسار «بالعربي»، إذ مثّلت نقلة نوعية على مستوى الطرح والحضور والتأثير، وأعادت رسم ملامح البودكاست وشكله العام. فبعد هذه الحلقة، بدا أكثر نضجًا ووضوحًا في الرؤية، وبدأت مرحلة جديدة تعتمد على انتقاء الضيوف بعناية أكبر، وتقديم حوارات أعمق وأكثر تركيزًا على الإنسان وتجربته، لا على الجدل وحده. ورغم أن البودكاست لا يزال في بداياته، فإنه يسير بخطى ثابتة نحو ترسيخ اسمه كمنصة حوارية قادرة على المنافسة، ومؤهلة لأن تتحول إلى تجربة إعلامية مؤثرة ذات امتداد أوسع في المستقبل.

ورغم أن البودكاست لم يتجاوز بضعة أشهر، فإنه استطاع أن ينافس بقوة برامج “البودكاست” على الفيس بوك ومنصة اليوتيوب ، وحقق انتشارًا ملحوظًا خلال فترة قصيرة، وهو ما تعزوه سماح إلى الثقة التي منحتها لها الشركة المنتجة، وإلى المساحة التي أُتيحت لها لتقديم نفسها دون قيود.تحلم سماح السعيد بأن يتحول بودكاست “بالعربي” إلى منصة عالمية، تستضيف ضيوفًا دوليين، وتقدم محتوى يحترم العقل ويطرح الأسئلة قبل أن يقدّم الإجابات.
وتوجّه نصيحتها لكل مذيعة شابة بأن القراءة هي الطريق الحقيقي لبناء الذات، وأن الثقة بالنفس لا تُمنح، بل تُكتسب بالعمل والاجتهاد، متمنية في الوقت ذاته أن يشهد الوسط الإعلامي قدرًا أكبر من العدالة في اختيار المذيعات، بعيدًا عن الشكل والعلاقات.في تجربة سماح السعيد، لا يبدو الإعلام مجرد مهنة، بل مسؤولية واختيار يومي، وإيمان عميق بأن الصوت الصادق، مهما تأخر، لا بد أن يصل.
وأخيراً تأتي سماح السعيد كاستثناء هادئ لا يرفع صوته إلا بالحقيقة. لم تدخل الإعلام من بوابة الشهرة، ولا راهنت يومًا على السهل أو السريع، بل شقّت طريقها خطوةً خطوة، مؤمنة بأن المعرفة هي السند، وبأن الإعداد الجيد هو الشكل الأصدق للاحترام… احترام المهنة، واحترام الضيف، واحترام عقل الجمهور.
سماح لم تكن يومًا ابنة الفرصة الجاهزة، بل ابنة المحاولة المتكررة، والتعلّم المستمر، والقدرة على التراجع حين لا يشبهها الطريق، ثم العودة حين يصبح الاختيار نابعًا من قناعتها وحدها. لذلك، لم يكن البودكاست مجرد تجربة إعلامية جديدة، بل خلاصة سنوات من الوعي، والرفض، والصبر، والبحث عن معنى حقيقي لما تقدمه.
في حواراتها، لا تسعى إلى الانتصار، بل إلى الفهم. لا تخشى الجدل، لكنها لا تصنعه من فراغ. تفتح المساحة للرأي المختلف، حتى وإن خالف قناعاتها الشخصية، لأنها تؤمن أن الإعلام ليس منصة إقناع، بل مساحة كشف، وأن السؤال الجيد أصدق من ألف إجابة جاهزة.
وربما سر تأثير سماح لا يكمن فقط في مهنيتها، بل في صدقها الإنساني؛ في تلك المذيعة التي لم تنفصل يومًا عن خلفيتها الاجتماعية، ولا عن دراستها، ولا عن إحساسها بالناس وهمومهم. مذيعة تعرف متى تتكلم، ومتى تصغي، ومتى تترك للصمت أن يقول ما يعجز عنه الكلام.
سماح السعيد اليوم لا تقف عند محطة نجاح، بل على بداية طريق أوسع، تؤمن فيه بأن الإعلام يمكن أن يكون عادلًا، واعيًا، ومختلفًا. وأن الصوت الصادق، مهما تأخر، يصل. وأن من يصنع نفسه بنفسه… لا يمكن أن يكون عابرًا.




