القاهرة _ أميرة المحمدي:
لم يعد الذهاب إلى الطبيب هو الخيار الأول عند الشعور بالألم أو المرض لدى كثير من الأسر المصرية، بل أصبح الدواء هو الحل الأسرع والأقرب، في مشهد يومي يتكرر داخل البيوت دون لفت انتباه. مسكن يُتناول لتجاوز صداع عابر، أو مضاد حيوي يُستخدم لمواجهة نزلة برد، دون تشخيص أو استشارة طبية، في ممارسة تبدو بسيطة لكنها تخفي خلفها خطرًا صحيًا صامتًا يتسلل تدريجيًا إلى المجتمع.
هذا السلوك لم يعد استثناءً، بل تحول إلى عادة، مدفوعة بضغوط الحياة وتسارعها، وارتفاع تكاليف الكشف الطبي، وطول فترات الانتظار في المستشفيات الحكومية. ومع الوقت، أصبح كثيرون يعتمدون على تجارب سابقة أو نصائح متداولة بين الأهل والأصدقاء، وكأن الدواء حل جاهز يصلح لكل الأوجاع، دون إدراك أن لكل مرض علاجًا مختلفًا، ولكل دواء تأثيرًا قد يتحول من نافع إلى ضار.
في البيوت، تتكرر المشاهد ذاتها؛ درج صغير ممتلئ بشرائط المسكنات، وبقايا مضادات حيوية لم تُستكمل جرعاتها، تُستخدم مرة أخرى عند أول عرض مشابه. البعض يتناول الدواء لمجرد الشعور بالتعب، والبعض الآخر يوقف العلاج فور تحسن الأعراض، دون معرفة أن هذا التصرف تحديدًا هو أحد أخطر أسباب فشل العلاج لاحقًا. ومع كل مرة يُستخدم فيها الدواء بلا وعي، تتراكم آثار لا تظهر فورًا، لكنها تترك بصمتها داخل الجسد ببطء.
المضادات الحيوية تمثل الجانب الأخطر في هذه الظاهرة، فالاستخدام العشوائي لها، خاصة في حالات لا تستدعيها مثل نزلات البرد والإنفلونزا، يؤدي إلى ما يُعرف بمقاومة البكتيريا للمضادات. ومع تكرار هذا السلوك، تصبح بعض العدوى البسيطة أكثر تعقيدًا، وقد لا تستجيب للعلاج المعتاد، مما يضاعف مدة المرض ويزيد من احتمالات المضاعفات. هذه المشكلة لا تمس فردًا بعينه، بل تمتد لتصبح أزمة صحة عامة تهدد المجتمع بأكمله.أما المسكنات، التي ينظر إليها كثيرون باعتبارها آمنة، فلا تقل خطورة عند الإفراط في استخدامها.
فالاستهلاك المستمر قد يؤدي إلى مشكلات في المعدة والكبد والكلى، وقد يخفي أعراض أمراض أكثر خطورة، مما يؤخر التشخيص والعلاج الصحيح. ومع الاعتماد المتزايد على المسكن، يفقد الجسد قدرته على إرسال إشارات الألم الطبيعية، ليصبح الألم الحقيقي صامتًا حتى يصل إلى مرحلة متقدمة.الصيدليات تلعب دورًا محوريًا في هذا المشهد، حيث يلجأ المواطن إليها باعتبارها الحل الأقرب والأسرع، في ظل غياب ثقافة صحية كافية لدى كثيرين.
ورغم حرص بعض الصيادلة على النصح والتحذير، إلا أن واقع الممارسة اليومية يشهد صرف أدوية دون وصفة طبية، في ظل ضعف الرقابة وضغوط السوق. وهنا تتداخل المسؤوليات بين المواطن الذي يبحث عن الراحة السريعة، والصيدلي الذي يقدم الدواء، والمنظومة الصحية التي لم تنجح بعد في كسر هذه الحلقة.
وراء هذا السلوك أسباب متعددة، تتراوح بين ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، وضيق الوقت، وضعف الوعي، وصولًا إلى الاعتقاد الخاطئ بأن التجربة الشخصية كافية للحكم على العلاج. لكن ما يغيب عن الأذهان أن هذا «الحل السريع» يحمل تكلفة أعلى على المدى الطويل، سواء على صحة الفرد أو على النظام الصحي بأكمله، الذي يواجه لاحقًا أمراضًا أكثر تعقيدًا تتطلب علاجات أقوى وأكثر تكلفة.
أطباء يحذرون من أن استمرار هذا النمط قد يقود إلى مرحلة يصبح فيها العلاج التقليدي غير فعال، مؤكدين أن مواجهة هذه الظاهرة لا تقتصر على منع صرف الأدوية دون وصفة فقط، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ بالتوعية الصحية، وتمر بتسهيل الوصول إلى الخدمات الطبية، وتنتهي بإعادة بناء الثقة بين المريض والطبيب، حتى لا يصبح الدواء بديلاً عن التشخيص.
في النهاية، قد يبدو تناول مسكن أو مضاد حيوي دون وصفة قرارًا بسيطًا، لكنه في حقيقته قرار يحمل تبعات كبيرة لا تظهر فورًا. فالصحة لا تُقاس بسرعة اختفاء الألم، بل بسلامة الطريق الذي نختاره للعلاج. والوعي، مهما بدا بسيطًا، يظل خط الدفاع الأول لحماية البيوت من هذا الخطر الصامت الذي لا يطرق الأبواب، بل يدخل بهدوء.


