dhl
dhl

محمد عبده : «كما نحب أن نأكل… نحرص أن يأكل الناس»

القاهرة _ مصطفى المصري _ أميرة المحمدي :

في قلب القاهرة، حيث تختلط روائح الشوارع بذكريات أجيال كاملة، تقف مكرونة بابا عبده كواحدة من العلامات الشعبية التي لم تكن يومًا مجرد وجبة سريعة، بل حكاية ممتدة عبر الزمن.

حكاية بدأت منذ ستينيات القرن الماضي بعربية بسيطة في عابدين، قبل أن تشق طريقها إلى وسط البلد، وتتحول مع الوقت إلى اسم محفور في ذاكرة المصريين، مرتبط بالطعم الأصيل والبساطة الصادقة التي لا تتصنّع.خلال لقائنا في مبنى نقابة الصحفيين، التقينا بمحمد عبده، الابن الأكبر للحاج عبده، والمسؤول حاليًا عن الإدارة العامة للبراند، إلى جانب عم أحمد، الذراع اليمنى لبابا عبده، وأحد الشهود الحقيقيين على الرحلة منذ بداياتها الأولى.

لم يكن الحوار مجرد استعراض لتاريخ مكان، بل شهادة حيّة على كيف يتحول الشغف إلى هوية، والعمل إلى إرث.يعود محمد عبده بالذاكرة إلى الجذور الأولى، حين كان الاسم في البداية “مكرونة سعد”، نسبةً إلى الجد، قبل أن تنتقل الصنعة إلى الابن عبده، الذي بدأ النزول مع والده إلى العربية وهو لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره. هناك، وسط الزحام، تعلّم كل شيء: من اختيار المكونات، إلى سر الطعم، إلى كيفية التعامل مع الناس.

ومع الوقت، لم تعد العربية المتنقلة كافية لاستيعاب الإقبال الكبير، فكانت خطوة الانتقال إلى مكان ثابت في وسط البلد، أشبه بـ“عربية ثابتة” أو “ڤترينة”، لكنها سرعان ما تحولت إلى نقطة جذب أساسية وواحدة من معالم المنطقة.ورغم التوسع وزيادة عدد الفروع، ظل الرهان الحقيقي هو الحفاظ على الطابع الشعبي الأصيل. يؤكد محمد عبده أن السر يكمن في الالتزام بالجودة والطعم، لا في تغيير الهوية.

فالمكرونة تُصنّع خصيصًا لبابا عبده بمواصفات معينة، والصلصة لها نكهة خاصة لا تتكرر، وهو ما يجعل الزبون يشعر بنفس الطعم مهما تغيّر المكان أو الزمن. هذا الالتزام هو ما جعل الاسم حاضرًا في وجدان الناس، من جيل إلى جيل.المكرونة كانت – ولا تزال – الأساس الذي قامت عليه الفكرة، قبل أن يدخل الكشري لاحقًا كامتداد طبيعي للأكل الشعبي. لكن يبقى السؤال الدائم عن سر الخلطة، ذلك الطعم الذي يجعل الناس تقطع مسافات لتذوقه.

هنا يبتسم محمد عبده، مؤكدًا أن “ده سر بابا عبده”، سر لا يُقال ولا يُنسخ، والدليل أن هذا الطعم لا يمكن العثور عليه في مكان آخر.في المناسبات الوطنية، والمباريات المهمة، والمواسم التي تشهد تجمعات جماهيرية كبيرة، يتحول المكان إلى خلية نحل. ومع ذلك، يؤكد فريق العمل أنهم يتعاملون مع كل يوم وكأنه يوم ذروة، عبر الاستعداد الدائم بمخزون كافٍ، لأن بابا عبده يقدم وجبة بسيطة لكنها محبوبة، ولا تحتمل الاعتذار أو التقصير.

الجودة هنا ليست شعارًا، بل ممارسة يومية. المكونات تُختار بعناية شديدة: مكرونة مخصوصة، طماطم من أجود الأنواع، فلفل وتوابل مختارة، ولحوم وكبدة وسجق “فريش”. وحتى عام 2022، كان لدى بابا عبده مزرعة خاصة تحقق الاكتفاء الذاتي، قبل بيعها والتعاقد مع موردين يلتزمون بنفس معايير الجودة الصارمة. كل ذلك بهدف واحد: الحفاظ على ثقة الجمهور.

ورغم التحديات الاقتصادية وارتفاع الأسعار، يظل السعر المناسب جزءًا أساسيًا من فلسفة المكان. فكما يقول محمد عبده، “إحنا حاسين بالزبون”، والسعي الدائم هو تحقيق معادلة صعبة: جودة عالية بسعر في متناول مختلف الفئات، وهو ما يفسر الانتشار الواسع بين العمال، والموظفين، والطلبة، وحتى العائلات.أما المنافسة في مجال الأكل الشعبي، فهي حاضرة دائمًا، لكن التعامل معها لا يكون بالصخب أو التقليد، بل بالثبات على الهوية.

بابا عبده لا يحاول أن يكون نسخة من غيره، بل يراهن على تاريخه واسمه، وعلى تجربة بسيطة وصادقة يشعر بها الزبون من أول لقمة.في إدارة المكان، البساطة ليست مظهرًا فقط، بل أسلوب حياة. عم أحمد يتحدث بفخر عن علاقة الإدارة بالعاملين، الذين يعتبرون جزءًا من العائلة، لا مجرد موظفين، وهو ما يفسر وجود أفراد يعملون في المكان منذ أكثر من ثلاثين عامًا. النظافة وسلامة الجودة خط أحمر، والاحترام المتبادل هو الأساس.

يرى القائمون على بابا عبده أن دورهم يتجاوز تقديم الطعام، إلى الحفاظ على هوية الأكل الشعبي المصري. “الاسم كبير”، كما يقول محمد عبده، “ولازم نكون قده دايمًا”. ومن هنا تأتي خطط التوسع المدروسة، حيث يجري حاليًا تجهيز فرع في أكتوبر، مع خطط مستقبلية لافتتاح فروع في التجمع أو الرحاب، دون استعجال قد يضر بالهوية.

في ختام الحوار، تتجلى الروح الحقيقية لبابا عبده بعيدًا عن لغة الأرقام والمشروعات. يقول محمد عبده إن والده كان يردد دائمًا: “زي ما تحب تاكل، خلّي الناس تاكل”. جملة بسيطة، لكنها تختصر فلسفة كاملة. الجمهور هنا ليس مجرد زبائن، بل أهل وحبايب، وشركاء في النجاح.أما عم أحمد، فيتحدث عن رحلته مع الحج عبده بشغف واضح، عن رجل علّمه الصنعة والحب والاحترام قبل أي شيء.

تلك الروح، كما يقول، لا تزال حاضرة في المكان، وتنعكس في الطعم، وفي الرزق، وفي البركة التي يشعر بها كل من يدخل بابا عبده. فهنا، لا تُطهى المكرونة فقط، بل يُعاد تقديم حكاية مصرية صادقة، بطعم الذكريات.في النهاية، لا يمكن النظر إلى بابا عبده كمكان يُقدَّم فيه الطعام فقط، بل كبيت مفتوح يجمع قلوب من يعملون فيه قبل أن يجمع زبائنه.

هنا، لكل فرد حكاية مع المكان؛ عامل بدأ شابًا وكبر بين حيطانه، وصنايعي تعلّم الصنعة على يد الحج عبده وأصبحت جزءًا من هويته، وإدارة ترى في العامل أخًا وفي الزبون ضيفًا عزيزًا. هذا الحب المتبادل هو السر الحقيقي الذي لا يُكتب في وصفات ولا يُختصر في كلمات، لكنه يُحس في كل تفصيلة، وفي كل طبق يخرج بروح صادقة.

بابا عبده عاش لأنه لم يُبنَ على البيزنس وحده، بل على الوفاء، والاحترام، والشغف. شغف جيل سلّم الراية لجيل، دون أن يفرّط في المبدأ أو يغيّر الملامح. لذلك يظل المكان حاضرًا في الذاكرة، ليس بطعمه فقط، بل بروحه؛ روح ناس تؤمن أن العمل بحب يخلق طعامًا يشبههم… بسيط، صادق، وقادر دايمًا يلمس القلب قبل المعدة.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.