القاهرة – شيري عبدالحميد:
مع مطلع عام 2026، لم يعد مشهد الأشخاص الذين يتحدثون لأنفسهم في شوارع وسط البلد أو يحدقون طويلاً في محركات السيارات الغامضة مشهداً غريباً أو قادماً من أفلام الخيال العلمي.
فالنظارات الذكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي بدأت تشق طريقها إلى شوارع القاهرة، لتفرض واقعاً جديداً يتقاطع فيه اليومي مع الرقمي، ويعيد تعريف مفاهيم الحركة والعمل داخل المدينة المزدحمة.
تلك التقنية، التي كانت حتى وقت قريب رفاهية تكنولوجية، تحولت تدريجياً إلى أداة عملية ترافق المواطن في الزحام، والصنايعي في ورشته، والمشاة في معاركهم اليومية مع الأرصفة المكسورة والطرق المختنقة.

GPS للمشاة… عبور ذكي وسط الفوضى
لم يعد الهاتف المحمول هو الدليل الوحيد للمشي في شوارع العاصمة. فالنظارات الذكية باتت ترسم للمستخدمين مسارات افتراضية مباشرة على الأرض، تساعدهم على التنقل دون الحاجة إلى التحديق في الشاشات أو فقدان التركيز.وتعتمد التقنية على تنبيهات لحظية تحذر من المخاطر اليومية، مثل بلاعات مفتوحة، أو أرصفة غير ممهدة، أو سيارات قادمة من زوايا لا تُرى بالعين المجردة.
اقرأ أيضاً..“CES 2026″ يكشف عن ابتكارات غريبة ومدهشة”
كما يقترح الذكاء الاصطناعي طرقاً جانبية أقل ازدحاماً، اعتماداً على قراءة حية للكثافة البشرية، وليس فقط على بيانات خرائط تقليدية.وفي تجربة ميدانية، يشير أحد المستخدمين إلى أن النظارة ساعدته على اكتشاف شوارع جانبية في منطقة العتبة أوصلته إلى وجهته في وقت أقصر، كما قامت بترجمة لافتات المحلات أمامه وتنبيهه إلى العروض بمجرد النظر إليها.

«الأسطى الرقمي»… ثورة صامتة في عالم الصنايعية
التحول الأكبر ظهر داخل الورش. فالنظارة الذكية لم تعد أداة ترفيه، بل أصبحت «عدة شغل» يعتمد عليها عدد متزايد من الحرفيين.
ميكانيكي يرتدي نظارته في إحدى مناطق القاهرة، وبمجرد توجيه نظره إلى محرك سيارة حديثة، تظهر أمامه طبقة افتراضية توضح موقع العطل، وتشرح خطوات الفك والتركيب بدقة. التقنية نفسها تتيح للعاملين الجدد التواصل مع خبراء عن بُعد، حيث يرى الخبير ما يراه العامل عبر كاميرا النظارة، ويقدم له التوجيهات خطوة بخطوة.
هذا التحول يضعف الاعتماد على التخمين والخبرة الشفوية، ويحد من ظاهرة «الفهلوة»، إذ أصبح التشخيص مبنياً على قواعد بيانات ضخمة وتحليل فوري للأعطال، لا على الاجتهاد الشخصي وحده.تحديات تفرض نفسها في الشارع المصريورغم الانبهار المتزايد بهذه التكنولوجيا، إلا أن انتشارها يثير عدداً من التساؤلات والقلق المجتمعي.

فتصوير الأشخاص في الشوارع عبر نظارات مزودة بكاميرات يفتح باباً واسعاً لمخاوف الخصوصية، وقد يتسبب في احتكاكات ومشكلات اجتماعية.كما يطرح البعض تساؤلات حول التشتت البصري، وإمكانية تسبب الشاشات الافتراضية داخل النظارة في زيادة حوادث السير للمشاة. ولا يغيب عن المشهد هاجس السرقة، إذ قد تتحول هذه النظارات، مع ارتفاع أسعارها، إلى هدف جديد للصوص الشوارع المزدحمة.
بين صنايعي يطوّر أدواته، ومواطن يحاول النجاة من زحام رمسيس ووسط البلد، تبرز النظارات الذكية في 2026 كأنها «عين ثالثة» للمصريين. فهي ليست مجرد ابتكار تقني، بل محاولة جادة لترويض عشوائية المدينة بالذكاء الاصطناعي.
ويبقى السؤال مطروحاً: هل تنجح التكنولوجيا في الصمود أمام تحديات شوارع القاهرة، أم تفرض المدينة كلمتها الأخيرة؟



