من بوابة التاريخ إلى منصات المستقبل… المتحف المصري الكبير وزخم الفعاليات يعيدان صياغة المشهد الثقافي والسياحي في مصر
القاهرة _ أميرة المحمدي:
مع افتتاح المتحف المصري الكبير (GEM)، دخلت مصر مرحلة جديدة في علاقتها بتراثها العريق وطريقة تقديمه للعالم، مرحلة لا تكتفي بعرض الآثار بوصفها شواهد صامتة على الماضي، بل توظفها كقوة ناعمة قادرة على تعزيز الهوية الوطنية، ودعم السياحة، وفتح آفاق واسعة للفعاليات الثقافية والفنية والفكرية. هذا الافتتاح لم يكن مجرد حدث أثري، بل إعلانًا عن ميلاد مشروع حضاري متكامل يعكس طموح الدولة في أن تكون الثقافة محورًا أساسيًا للتنمية.
المتحف، الذي يتربع على مقربة من أهرامات الجيزة، يمثل أكبر صرح متحفي في العالم مخصص لحضارة واحدة، ويضم عشرات الآلاف من القطع الأثرية التي تسرد تاريخ مصر القديمة عبر العصور المختلفة. طريقة العرض الحديثة، المعتمدة على التكنولوجيا والتجربة التفاعلية، نقلت زيارة المتحف من مجرد جولة تقليدية إلى رحلة معرفية وبصرية، تضع الزائر في قلب الحضارة المصرية، وتجعله شاهدًا على تطورها الفكري والفني والإنساني.
هذه التجربة لا تستهدف السائح الأجنبي فقط، بل تخاطب أيضًا المواطن المصري، بما يسهم في ترسيخ الوعي بالهوية الثقافية وتعزيز الشعور بالانتماء.على المستوى السياحي، يشكل GEM نقطة جذب محورية قادرة على إعادة توزيع الخريطة السياحية داخل القاهرة الكبرى، وربط السياحة الأثرية بأنماط جديدة مثل السياحة الثقافية والمؤتمرات والمعارض الدولية.
فالمتحف لا يضم قاعات عرض فقط، بل يحتوي على مساحات مفتوحة، ومراكز للمؤتمرات، ومناطق مخصصة للفعاليات، ما يجعله منصة مثالية لاستضافة أحداث عالمية تجمع بين الثقافة والفكر والفن. هذا التنوع يفتح الباب أمام زيادة أعداد الزائرين على مدار العام، وليس في مواسم محددة فقط، وهو ما ينعكس على الاقتصاد السياحي بشكل مباشر.
وفي ظل هذا الزخم، تستعد مصر لمرحلة نشطة من الفعاليات القادمة التي تستند إلى هذا المناخ الثقافي المتجدد. المعارض الفنية المؤقتة، والمهرجانات الثقافية، وملتقيات الفكر والإبداع، باتت تجد في القاهرة بيئة خصبة للانعقاد، مستفيدة من البنية التحتية الجديدة والدعم المؤسسي المتزايد.
اقرأ أيضاً..«مهرجان التسوق» يحوّل دبي لوحة تنبض بالفنون
كما أن المتحف المصري الكبير أصبح رمزًا بصريًا ومعنويًا لهذه المرحلة، حيث يُنظر إليه كعنوان للحضارة المصرية المعاصرة بقدر ما هو حارس لتاريخها القديم.ومن أبرز ملامح المرحلة المقبلة أيضًا تنامي الاهتمام بمؤتمرات المحتوى والإعلام الرقمي، التي تعكس تحولًا في طريقة تقديم الثقافة للجمهور.
هذه المؤتمرات، التي تجمع صناع المحتوى والمبدعين من مصر والعالم العربي، تساهم في نقل صورة مختلفة عن مصر، صورة تجمع بين الأصالة والحداثة، وتستثمر التراث في صناعة خطاب معاصر يصل إلى الأجيال الجديدة عبر المنصات الرقمية. وجود صرح بحجم GEM يمنح هذه الفعاليات عمقًا رمزيًا، ويجعل من المحتوى الثقافي مادة حية قابلة للانتشار والتأثير.
المهرجانات الفنية والموسيقية، بدورها، تشهد توجهًا نحو دمج المواقع التاريخية والمعالم الثقافية في فعالياتها، بما يحول الثقافة إلى تجربة معيشة وليست مجرد عرض على مسرح. هذا التوجه يعزز من مكانة مصر كوجهة ثقافية شاملة، قادرة على تقديم منتج سياحي متكامل يجمع بين التاريخ والفن والترفيه والمعرفة.
في المحصلة، يمكن القول إن افتتاح المتحف المصري الكبير لم يكن نهاية رحلة طويلة من العمل، بل بداية مرحلة جديدة عنوانها الاستثمار في الثقافة بوصفها قوة اقتصادية وهوية وطنية في آن واحد.
ومع تتابع الفعاليات والمعارض والمهرجانات ومؤتمرات المحتوى، تبدو مصر وكأنها تعيد تقديم نفسها للعالم من زاوية مختلفة؛ دولة تستلهم حضارتها العريقة، لكنها تتحدث بلغة العصر، وتفتح أبوابها لحوار ثقافي ممتد بين الماضي والمستقبل.


