القاهرة _ أميرة المحمدي:
أسدل الستار اليوم على واحدة من أطول وأعقد التجارب الانتخابية في تاريخ الحياة النيابية المصرية، بعدما أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات النتائج النهائية لانتخابات مجلس النواب، لتنتهي بذلك أشهر طويلة من التصويت، وجولات الإعادة، والإجراءات القضائية والتنظيمية، التي جعلت من هذه الانتخابات محطة فارقة في مسار العمل السياسي والتشريعي في البلاد.
وجاء الإعلان الرسمي ليضع حدًا لحالة الترقب التي سيطرت على المشهد العام، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العمل البرلماني في ظل تحديات داخلية وإقليمية تتطلب مجلسًا قادرًا على التشريع والرقابة بكفاءة ومسؤولية.
اقرأ أيضاً..
العملية الانتخابية التي انطلقت رسميًا في أكتوبر الماضي، مرت بعدة مراحل متتابعة شملت جولات أولى وثانية، ثم جولات إعادة في عدد من الدوائر التي أُلغيت نتائجها بحكم قضائي، قبل أن تُعاد الانتخابات فيها داخل البلاد وخارجها، في تجربة وُصفت بأنها الأوسع والأكثر امتدادًا زمنيًا منذ إقرار النظام النيابي الحديث.
هذا الامتداد الزمني، ورغم ما صاحبه من تحديات تنظيمية، عكس حرص الدولة على استكمال المسار الانتخابي وفق الأطر الدستورية والقانونية، وضمان نزاهة النتائج وشرعيتها.وأعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات، خلال مؤتمر صحفي، اكتمال تشكيل مجلس النواب الجديد بعد حسم نتائج جولة الإعادة الأخيرة، ليصل عدد النواب المنتخبين إلى 568 نائبًا، يمثلون طيفًا واسعًا من القوى السياسية والمستقلين.
كما كشفت الأرقام الرسمية عن نسبة مشاركة بلغت نحو 32.41% من إجمالي عدد الناخبين المسجلين، وهي نسبة تعكس حضورًا انتخابيًا ملحوظًا في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية معقدة، وتؤكد استمرار الرغبة الشعبية في المشاركة بصناعة القرار السياسي.المشهد البرلماني الجديد حمل في ملامحه قدرًا من التنوع، سواء على مستوى الانتماءات الحزبية أو الخلفيات السياسية، حيث ضم المجلس ممثلين عن أكثر من خمسة عشر حزبًا سياسيًا، إلى جانب كتلة معتبرة من النواب المستقلين، وهو ما يُتوقع أن يضفي حيوية على النقاشات التشريعية داخل قاعة البرلمان. هذا التنوع يعكس بدوره تحولات في الخريطة السياسية، ويضع على عاتق النواب مسؤولية التوافق والعمل المشترك بعيدًا عن الاستقطاب، بما يخدم مصالح المواطن ويعزز من دور المؤسسة التشريعية.
ولم تخلُ الانتخابات من تحديات، أبرزها طول المدة الزمنية، وتعدد جولات الإعادة، وما صاحبها من أحكام قضائية أعادت رسم خريطة بعض الدوائر، إلا أن استكمال جميع المراحل حتى الإعلان النهائي عكس التزامًا واضحًا باستقرار المؤسسات واحترام دولة القانون. كما مثّلت التجربة اختبارًا مهمًا لقدرة الدولة على إدارة عملية انتخابية معقدة، في ظل متابعة إعلامية ورقابة قانونية مكثفة.
ومع اكتمال إعلان النتائج، تتجه الأنظار إلى المرحلة التالية، حيث يُنتظر أن يبدأ مجلس النواب الجديد أعماله خلال الفترة المقبلة، ليتحمل مسؤولياته التشريعية والرقابية، ويناقش ملفات شائكة تتعلق بالاقتصاد، والحماية الاجتماعية، والاستثمار، والتعليم، والصحة، إلى جانب متابعة أداء الحكومة في تنفيذ برامج التنمية.
وهي ملفات تتطلب برلمانًا فاعلًا قادرًا على تحقيق التوازن بين دعم الدولة في خططها، وممارسة الدور الرقابي الذي كفله الدستور.في المحصلة، فإن إعلان النتائج النهائية لا يمثل نهاية مسار انتخابي فحسب، بل بداية مرحلة سياسية جديدة، يُراهن فيها الشارع المصري على برلمان يعبر عن تطلعاته، ويعمل على تحويل وعود المرحلة الانتخابية إلى تشريعات وسياسات ملموسة، تعزز الاستقرار، وتدعم مسيرة التنمية، وتكرس مبدأ المشاركة في صنع القرار، ليظل البرلمان أحد الأعمدة الأساسية في بناء الدولة الحديثة.


