حوار خاص|..«مطعم عمهم»… كيف صُنعت الحكاية؟ وكيف نجح مكانٌ صغير في الزمن وكبير في الروح أن يفرض اسمه بثقة ويكسب قلوب زوّاره قبل أذواقهم؟
القاهرة – مصطفى المصري:
ليس كل مطعم يولد وفي داخله مشروع نجاح، وليس كل اسم يُكتب على لافتة يصبح علامة حقيقية في وجدان الناس.النجاح، في جوهره، لا علاقة له بعدد الفروع، ولا بحجم الإعلانات، ولا بزخم الافتتاحات، بل يرتبط بشيء أعمق بكثير… بالنية.
عندما تدخل إلى مطعم «عمهم»، لا تشعر أنك داخل مساحة تجارية صمّمت فقط لتقديم الطعام، بل تدخل عالمًا صُنع بروح بيت مصري قديم، يعرف معنى العِشرة، ويحترم قيمة الضيف، ويؤمن أن البركة في الرضا، وأن الاستمرار لا يأتي إلا من الصدق.من اللحظة الأولى، تلاحظ أن هناك انسجامًا بين المكان، والعاملين، والإدارة، وحتى تفاصيل الأطباق. كل شيء يقول لك إن هذا المشروع لم يُبنَ على عجلة، ولم يُدار بعقلية الربح السريع، بل نبت بهدوء، وتكوّن خطوة خطوة، مثلما تتكوّن الحكايات الجميلة.
اسم «عمهم» نفسه يختصر الكثير.اسم يحمل في داخله دفء الأب، وهيبة الكبير، وأمان العائلة. لم يُختر الاسم ليكون لافتًا فقط، بل لأنه خرج من قلب علاقة إنسانية حقيقية، ومن محبة صادقة لرجل كان بالنسبة لكل من حوله “العم”، السند، والقدوة، وهنا تحديدًا، يبدأ الفارق بين “مطعم” و”تجربة”.
وراء هذا المكان، إدارة واعية تعرف جيدًا أن الجودة لا تُفرض، بل تُمارس، وأن العامل إذا شعر بالاحترام قدّم أفضل ما لديه دون طلب، وأن العميل حين يشعر بالصدق يصبح شريكًا في النجاح، لا مجرد زائر عابر.ولهذا، لم يكن غريبًا أن يفرض “عمهم” نفسه في وقت قصير، وأن يتحوّل من مشروع ناشئ إلى اسم يتردّد بثقة بين الناس، ويُذكر مقرونًا بالرضا، لا بالمجاملات.
—في البداية… كيف بدأت حكاية مطعم «عمهم»؟ ولماذا كان هذا الاسم تحديدًا؟
حكاية «عمهم» لم تبدأ بخطة تسويقية، ولا بدراسة جدوى باردة، بل بدأت بعلاقة إنسانية متجذّرة في بيت مصري يعرف قيمة الأصول.الأستاذ عادل والأستاذة منى، أبناء الحاج يوسف – المعروف بين الجميع باسم “أبو طارق” – حملوا معهم إرثًا من الاحترام والخبرة والسمعة الطيبة، قبل أن يحملوا فكرة المشروع نفسها.الاسم جاء طبيعيًا، دون افتعال.
فالحاج يوسف لم يكن مجرد أب، بل كان “عمهم” لكل من عرفه، وكل من تعامل معه. ومن هنا، تحوّل اللقب المحبّب إلى عنوان، وتحولت المحبة إلى مشروع، وتحولت الذكرى إلى رسالة ممتدة في كل ركن من أركان المكان.
ورغم أن المطعم لم يُكمل عامًا واحدًا، إلا أن ما تحقق في هذه الفترة القصيرة يعكس حجم الإخلاص المبذول، ويكشف عن إدارة تعرف أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بالزمن، بل بالأثر.
–ما الفلسفة التي يقوم عليها «عمهم» في تقديم الطعام؟ ولماذا يشعر الزائر بالفرق من أول مرة؟
الفلسفة هنا لا تُكتب على الحوائط، بل تُقدّم في الطبق.«عمهم» اختار منذ اللحظة الأولى أن يكون مطعمًا شعبيًا بمعناه الأصيل، لا بالشكل فقط.
أكل له جذور، وطعم لا يُشبه غيره، ونكهة تُذكّرك بأكل البيت، لا بأكل المصانع.الجودة ليست خيارًا قابلًا للنقاش، بل قاعدة أساسية.اللحوم المستخدمة كلها بلدي، دون استثناء، والتتبيلات ليست محفوظة في ملفات، بل محفوظة في خبرة إنسانة عاشت المطبخ الشعبي بكل تفاصيله.

وهنا يظهر دور الأستاذة منى، التي لا تُدار الأمور من مكتب بعيد، بل من قلب التجربة نفسها، حيث التذوق، والمتابعة، والحرص على أن يخرج كل طبق بنفس الروح التي بدأ بها.التميّز الحقيقي أن الإدارة لا تبحث عن اختصار الطريق، ولا عن مضاعفة المكسب على حساب الجودة، بل عن بناء اسم يُحترم، حتى لو كان الطريق أطول.
—كيف يحافظ «عمهم» على ثبات الجودة رغم الإقبال المتزايد؟
ثبات الجودة لا يحدث صدفة، بل نتيجة منظومة كاملة من الالتزام.في «عمهم»، هناك وعي بأن النجاح الحقيقي يبدأ حين يزداد الضغط، وحين تصبح التحديات أكبر.ولهذا، هناك متابعة مستمرة لكل التفاصيل، من استلام الخامات، إلى تجهيزها، إلى طريقة التقديم.الإدارة هنا لا تكتفي بالرضا عن النفس، بل تتعامل مع كل يوم عمل كأنه اليوم الأول، بنفس الحرص، وبنفس القلق الإيجابي، وبنفس الرغبة في تقديم الأفضل.
—كيف تُدار منظومة العمل؟ ولماذا يبدو الفريق متماسكًا بهذا الشكل؟
السر بسيط في شكله، عميق في تأثيره: الاحترام.العامل في «عمهم» لا يشعر أنه يعمل عند أحد، بل يعمل مع منظومة تحترمه وتقدّره.تُقال له بوضوح: نجاح المكان من نجاحك، وتقدّمنا مرتبط بوجودك.هذا الشعور يخلق ولاءً حقيقيًا، ويُترجم مباشرة في المعاملة، وفي جودة الخدمة، وفي التفاصيل الصغيرة التي يلتقطها العميل دون أن يشعر.
—كيف يتم التعامل مع شكاوى العملاء وملاحظاتهم؟
في «عمهم»، الشكوى لا تُعتبر مشكلة، بل فرصة.فرصة للفهم، وللتطوير، ولإثبات أن رضا العميل ليس شعارًا، بل ممارسة حقيقية.يتم التواصل المباشر، والتعويض دون تردّد، لأن الهدف ليس إنهاء الموقف، بل الحفاظ على الثقة.
-ما التحديات التي تواجهكم في سوق مليء بالمنافسة؟
التحدي الأكبر ليس وجود منافسين، بل الحفاظ على المستوى، والاستمرار بنفس الروح، دون أن تتأثر الجودة أو تتغيّر الهوية.وهو تحدٍ تتعامل معه الإدارة بوعي، وطموح، ورغبة دائمة في التطوير دون التفريط في الأساس.
—كيف توازنون بين الأصالة والتجديد؟
الأصالة في «عمهم» ليست عبئًا، بل نقطة قوة.يتم الحفاظ عليها، وفي الوقت نفسه تقديمها بشكل عصري يحترم ذوق الجمهور المتغيّر، دون تشويه أو تنازل.
—هل هناك خطط توسّع مستقبلية؟
نعم، هناك خطوات واضحة للتوسّع داخل مصر، يليها تواجد خارجها، وتحديدًا في دبي، في تجربة تُبنى بنفس الروح، لا بنفس الشكل فقط.
—أخيرًا… ما الرسالة التي يحملها «عمهم» لكل من يزوره؟
الرسالة واحدة، لكنها صادقة:أنت هنا ضيف، قبل أن تكون عميلًا.وجودك مُقدَّر، وتجربتك تهمّنا، ورضاك هو رأس مالنا الحقيقي.






