dhl
dhl

قصور الثقافة تنبض بالحياة… برنامج فني ومجتمعي يعيد الفن إلى قلب الشارع المصري

القاهرة _ أميرة المحمدي:

في إطار دورها المستمر في نشر الوعي الثقافي وتعزيز العدالة الثقافية، أعلنت الهيئة العامة لقصور الثقافة عن برنامج ثقافي وفني متنوع يمتد حتى 24 يناير، يتوزع على مختلف المحافظات، ويعكس رؤية تستهدف جعل الثقافة حقًا يوميًا متاحًا لكل فئات المجتمع، وليس حكرًا على النخب أو العواصم الكبرى.

ويضم البرنامج سلسلة من الملتقيات الثقافية والفكرية التي تناقش قضايا الهوية والإبداع والتراث، إلى جانب قوافل ثقافية تجوب القرى والمناطق الأكثر احتياجًا، في محاولة جادة لردم الفجوة بين المركز والأطراف، وإيصال المنتج الثقافي إلى أماكن طالما حُرمت من التفاعل المباشر مع الفنون والآداب.كما يشمل البرنامج حفلات موسيقية وعروضًا فنية متنوعة، تقدمها فرق موسيقى عربية وشعبية، تعكس ثراء الموروث الفني المصري وتنوعه، إلى جانب معارض للفن التشكيلي تتيح للفنانين عرض تجاربهم البصرية، وتمنح الجمهور فرصة للتفاعل المباشر مع الفنون التشكيلية بمختلف مدارسها واتجاهاتها.

وللمسرح حضور لافت ضمن هذه الفعاليات، حيث تُقدَّم عروض مسرحية تستهدف مختلف الفئات العمرية، وتناقش قضايا اجتماعية وإنسانية بلغة فنية قادرة على الجمع بين الترفيه والرسالة، بما يعيد للمسرح دوره التنويري كأداة للحوار المجتمعي والتعبير الحر.ويولي البرنامج اهتمامًا خاصًا بالأطفال والشباب، من خلال ورش تدريبية في مجالات التمثيل، والموسيقى، والرسم، والكتابة الإبداعية، تهدف إلى اكتشاف المواهب مبكرًا وصقلها، وخلق مساحات آمنة للتعبير الفني، بما يسهم في بناء جيل أكثر وعيًا وقدرة على الإبداع والتفكير النقدي.

وتأتي هذه الفعاليات في سياق استراتيجية ثقافية أشمل تسعى إلى توظيف الفن كوسيلة لتعزيز التماسك الاجتماعي، ومواجهة مظاهر التطرف والانغلاق، وترسيخ قيم الجمال والانتماء. كما تعكس حرص الدولة على دعم الثقافة الجماهيرية باعتبارها أحد أهم أدوات القوة الناعمة، القادرة على التأثير في الوجدان العام وبناء الوعي.

محمية نبق نموذجًا للتنمية الخضراء… شراكة محلية لحماية الطبيعة وتعزيز الاستدامة

ويُنظر إلى هذا البرنامج بوصفه نموذجًا عمليًا لكيفية تحويل المؤسسات الثقافية إلى منصات تفاعلية حية، تتجاوز حدود العروض التقليدية، وتفتح أبوابها أمام المجتمع بكل تنوعه، لتصبح الثقافة ممارسة يومية، وليست حدثًا موسميًا عابرًا.

تؤكد الفعاليات الثقافية المتنوعة التي تنظمها الهيئة العامة لقصور الثقافة أن المشهد الثقافي المصري يعيش مرحلة إعادة تموضع حقيقية، تعيد الاعتبار لدور الثقافة الجماهيرية باعتبارها ركيزة أساسية في بناء الوعي المجتمعي وتعزيز الانتماء الوطني. فحين تنتقل الفنون من القاعات المغلقة إلى الشارع، ومن المركز إلى الأطراف، تصبح الثقافة أداة فاعلة للتنمية الاجتماعية، لا مجرد نشاط ترفيهي عابر.ويكشف هذا البرنامج الممتد عن إدراك متزايد لأهمية الاستثمار في الإنسان، خاصة الأطفال والشباب، بوصفهم حَمَلة المشروع الثقافي في المستقبل.

فالورش التدريبية والمساحات المفتوحة للإبداع لا تكتفي باكتشاف المواهب، بل تزرع قيم الحوار والتذوق الجمالي والعمل الجماعي، وهي عناصر لا تقل أهمية عن أي أدوات تعليمية تقليدية في تشكيل الشخصية وبناء المجتمع.كما تعكس هذه الفعاليات وعيًا بدور الفن في مواجهة التحديات الاجتماعية والفكرية، حيث يصبح المسرح والموسيقى والفنون التشكيلية لغة بديلة قادرة على الوصول إلى مختلف الشرائح، وتقديم رسائل عميقة بأسلوب إنساني بعيد عن المباشرة أو الوعظ.

وفي هذا السياق، تستعيد قصور الثقافة دورها التاريخي كمنصات تنويرية، تحتضن التنوع وتفتح المجال للاختلاف الخلّاق.ولا يمكن فصل هذا الحراك الثقافي عن الرؤية الأشمل للدولة في دعم القوة الناعمة المصرية، وترسيخ مكانة الثقافة كجسر للتواصل بين فئات المجتمع، ووسيلة لإعادة اكتشاف الهوية المصرية في تعددها وثرائها.

فكل فعالية، مهما بدت بسيطة، تمثل لبنة في بناء وعي جمعي أكثر انفتاحًا وتماسكًا.وأخيراً ، فإن استمرار هذه البرامج وتوسيع نطاقها جغرافيًا ونوعيًا يبقى الرهان الحقيقي لتحويل الثقافة من مبادرة مؤقتة إلى فعل يومي مستدام، قادر على إحداث تغيير ملموس في الوجدان العام. وهنا تبرز قصور الثقافة ليس فقط كمؤسسات رسمية، بل كمساحات حياة، تنبض بالفن، وتعيد وصل الإنسان المصري بجذوره الإبداعية، في زمن باتت فيه الثقافة أكثر ضرورة من أي وقت مضى.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.