القاهرة _ أميرة المحمدي:
في خطوة تعكس تحوّلًا نوعيًا في سياسات حماية البيئة بمصر، أعلنت وزارة البيئة إطلاق نظام متكامل لإدارة النفايات داخل محمية نبق الطبيعية بجنوب سيناء، بالتعاون مع شركة مملوكة لأهالي المنطقة، في إطار رؤية تستهدف تحقيق التوازن بين الحفاظ على الموارد الطبيعية وتمكين المجتمعات المحلية اقتصاديًا واجتماعيًا.
وتُعد محمية نبق واحدة من أهم المحميات الطبيعية في مصر وأكثرها حساسية بيئيًا، نظرًا لما تضمه من نظم بيئية فريدة تشمل غابات المانجروف والشعاب المرجانية وتنوعًا بيولوجيًا نادرًا، وهو ما يجعل مسألة إدارة المخلفات داخلها تحديًا بالغ الأهمية، خاصة مع تزايد الأنشطة السياحية والزيارات البشرية خلال السنوات الأخيرة.
النظام الجديد الذي أطلقته الوزارة يعتمد على آليات حديثة لجمع وفرز ومعالجة النفايات، بما يضمن تقليل الأثر البيئي إلى أدنى حد ممكن، ويحد من التلوث البصري والبحري، ويحافظ على التوازن الطبيعي داخل المحمية. كما يراعي النظام الخصوصية البيئية للمكان، بحيث لا تتحول عملية الإدارة نفسها إلى عبء على النظام البيئي الدقيق الذي تتميز به نبق.
إقرأ أيضاً…60 مليار دولار قيمة أقوى 5 علامات تجارية إماراتية بقائمة «جلوبال 500»
ويكتسب المشروع بعدًا تنمويًا مهمًا من خلال الشراكة مع شركة مملوكة لأهالي المنطقة، في توجه يعكس إيمان الدولة بأهمية إشراك المجتمعات المحلية في حماية بيئتها، ليس فقط بوصفهم مستفيدين، بل شركاء فاعلين في التخطيط والتنفيذ. هذه الشراكة تفتح آفاقًا جديدة لتوفير فرص عمل مستدامة، وبناء خبرات محلية في مجال الإدارة البيئية، وتعزيز الشعور بالمسؤولية الجماعية تجاه الموارد الطبيعية.
وتؤكد وزارة البيئة أن هذا النموذج يأتي ضمن استراتيجية أشمل لتطوير منظومة إدارة المخلفات في المحميات الطبيعية والمناطق السياحية، بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة، ويعزز صورة مصر كدولة تسعى إلى التوفيق بين حماية البيئة ودعم الاقتصاد الأخضر والسياحة المسؤولة.
كما يحمل المشروع رسالة واضحة بأن حماية البيئة لم تعد مسؤولية حكومية فقط، بل عملية تشاركية تقوم على إشراك السكان المحليين، وتوظيف المعرفة التقليدية لأبناء المناطق في خدمة الطبيعة، بما يحقق استدامة حقيقية تتجاوز الحلول المؤقتة.ويُنتظر أن يسهم نجاح تجربة نبق في تعميم النموذج على محميات ومناطق طبيعية أخرى، ليصبح مثالًا يُحتذى به في إدارة المناطق الحساسة بيئيًا، خاصة في ظل التحديات المتزايدة المرتبطة بالتغير المناخي والضغط البشري على الموارد الطبيعية.
بهذا المشروع، تخطو مصر خطوة جديدة نحو ترسيخ مفهوم التنمية البيئية المتكاملة، حيث تصبح حماية الطبيعة فرصة للتنمية، لا عائقًا أمامها، وشراكة المجتمع المحلي ركيزة أساسية في الحفاظ على كنوزها الطبيعية للأجيال القادمة.يمثل إطلاق نظام متكامل لإدارة النفايات في محمية نبق الطبيعية خطوة تتجاوز كونها إجراءً بيئيًا تقنيًا، لتؤكد تحوّلًا أعمق في فلسفة إدارة الموارد الطبيعية في مصر، يقوم على الدمج بين حماية البيئة وتمكين الإنسان المحلي بوصفه شريكًا أصيلًا في التنمية، لا مجرد متلقٍ للقرارات.
فالمحميات الطبيعية، التي لطالما وُضعت في إطار الحماية الصارمة، باتت اليوم فضاءات لاختبار نماذج تنموية أكثر ذكاءً ومرونة، قادرة على التعايش مع الإنسان دون الإضرار بالتوازن البيئي.وتكشف هذه التجربة عن إدراك متزايد بأن استدامة أي مشروع بيئي مرهونة بمدى ارتباط المجتمع المحلي به، وهو ما يجعل إشراك أهالي المنطقة في إدارة المنظومة عنصرًا حاسمًا لضمان الاستمرارية والالتزام، وتحويل حماية البيئة من عبء مفروض إلى مصلحة مشتركة.
كما تعكس التجربة وعيًا رسميًا بأن الحلول البيئية الفعّالة لا تنفصل عن البعد الاقتصادي والاجتماعي، خاصة في المناطق ذات الحساسية البيئية العالية.وفي ظل تصاعد التحديات العالمية المرتبطة بالتغير المناخي والتدهور البيئي، تبدو مثل هذه المبادرات ضرورة وليست ترفًا، إذ تضع مصر على مسار يتماشى مع المعايير الدولية في إدارة المحميات، ويعزز صورتها كدولة تسعى لتطبيق مفهوم التنمية الخضراء على أرض الواقع، لا الاكتفاء بالشعارات.
كما تفتح التجربة الباب أمام تعميم النموذج في محميات أخرى، بما يسهم في بناء منظومة وطنية متكاملة لحماية التنوع البيولوجي، وتحقيق التوازن بين التنمية والسياحة والحفاظ على الطبيعة.وفي المحصلة، فإن نجاح نظام إدارة النفايات في محمية نبق لن يُقاس فقط بمدى نظافة المكان أو كفاءة الجمع والمعالجة، بل بقدرته على خلق وعي بيئي طويل الأمد، وترسيخ ثقافة الشراكة والمسؤولية المشتركة، بما يضمن أن تظل هذه الثروات الطبيعية شاهدًا حيًا على قدرة الإنسان على حماية ما يملكه، حين تتكامل الرؤية مع الإرادة والتنفيذ.




