القاهرة – مي عبده:
عائلة الجمال… حين تصبح صناعة الغزل والنسيج رسالة وطن وامتداد أجيال
في قلب التاريخ الصناعي المصري، تقف أسماء قليلة استطاعت أن تترك أثرًا لا تمحوه العقود، أسماء لم تكتفِ بالمشاركة، بل أسهمت في تأسيس الوعي الصناعي ذاته.
ومن بين هذه الأسماء، تتصدر عائلة الجمال المشهد، بوصفها واحدة من العائلات التي ارتبط اسمها بريادة صناعة الغزل والنسيج في مصر، ليس فقط من باب العمل، بل من باب الدور الوطني والتنموي.
إنها حكاية بدأت في زمن كانت فيه الصناعة معركة استقلال، واستمرت عبر أجيال فهمت أن الغزل والنسيج ليس مجرد قطاع اقتصادي، بل هوية مصرية أصيلة.
محمد حسين الجمال… الرجل الذي فتح بوابة الماكينات الحديثة
لا يمكن الحديث عن تطور صناعة الغزل والنسيج في مصر دون التوقف طويلًا أمام اسم المهندس محمد حسين الجمال، الذي يُعد بحق أحد الآباء المؤسسين للتحديث الصناعي في هذا القطاع الحيوي.
في عهد الزعيم جمال عبد الناصر، حين كانت الدولة المصرية تخطو خطواتها الجريئة نحو التصنيع الثقيل، كان محمد حسين الجمال من أوائل من أدركوا أن امتلاك القرار الصناعي يبدأ من امتلاك التكنولوجيا.فكان أول من أدخل ماكينات الغزل والنسيج الحديثة إلى مصر، في خطوة جسّدت رؤية استثنائية سبقت عصرها.

لم يكن هذا الإنجاز تقنيًا فحسب، بل كان تحولًا استراتيجيًا أعاد تشكيل خريطة الإنتاج، وأسهم في نقل الخبرات العالمية إلى داخل المصانع المصرية، وفتح المجال أمام آلاف العمال لاكتساب مهارات جديدة، رفعت من جودة المنتج المصري وجعلته قادرًا على المنافسة.
امتد عطاؤه خلال عهد الرئيس أنور السادات، محافظًا على ثبات الرؤية في مرحلة كانت تشهد تحولات اقتصادية كبرى، ليصبح اسمه علامة فارقة في مسيرة الغزل والنسيج الوطني، ورمزًا لجيل آمن بأن الصناعة قوة دولة لا تقل أهمية عن السياسة أو الثقافة.
ليلى الجمال… سيدة الغزل والنسيج بعقل إداري ورؤية إنسانية
وسط هذا الإرث الضخم، جاءت المهندسة ليلى الجمال لتؤكد أن الريادة لا تتوقف عند جيل، وأن المرأة المصرية قادرة على أن تكون صاحبة قرار في أصعب القطاعات الصناعية.دخلت ليلى الجمال عالم الغزل والنسيج وهي تدرك أن الحفاظ على الإرث أصعب من تأسيسه، فاختارت طريق التطوير لا الاكتفاء بالماضي.
أسست وقادت شركة Nobeltex، واضعة فلسفة واضحة قوامها الجودة، والانضباط، والاستدامة.تميّزت إدارتها بقدرتها على الجمع بين الصرامة الصناعية والبعد الإنساني، فكانت حريصة على تحديث خطوط الإنتاج، ورفع كفاءة العاملين، والالتزام بالمعايير العالمية، ما جعل الشركة واحدة من النماذج المشرفة للصناعة الوطنية.
ليلى الجمال لم تكن مجرد سيدة أعمال ناجحة، بل قائدة صنعت مدرسة إدارية في قطاع الغزل والنسيج، وأثبتت أن القيادة الحقيقية لا ترتبط بالنوع، بل بالكفاءة والرؤية والإيمان بالعمل.
نائلة الطويل… الجيل الذي أعاد تعريف الاستمرارية
مع تطور الصناعة عالميًا، كان لا بد من عقلية جديدة تفهم لغة العصر، فجاءت نائلة الطويل لتكون الجسر بين التاريخ والمستقبل.
حصلت على دراسة متخصصة في الإلكترونيات، ثم دعّمت مسيرتها بالحصول على ماجستير إدارة الأعمال (MBA)، لتدخل عالم الغزل والنسيج وهي تمتلك أدوات العلم الحديث والإدارة المعاصرة.
أسهمت نائلة في إدخال مفاهيم جديدة إلى العمل العائلي، مثل التطوير المؤسسي، والتخطيط الاستراتيجي، ومواكبة التحولات التكنولوجية، مؤكدة أن الحفاظ على اسم عريق لا يتم إلا بتجديد الدماء والرؤى.
نائلة الطويل تمثل نموذجًا لجيل يفهم أن الريادة لا تُورَّث، بل تُكتسب يوميًا بالعمل والوعي، وأن صناعة الغزل والنسيج قادرة على الاستمرار إذا امتلكت العقول التي تؤمن بها.
ريادة لا تنقطع… الغزل والنسيج كهوية عائلية ووطنية
ما يميز تجربة عائلة الجمال أنها لم تنظر إلى الغزل والنسيج كمشروع اقتصادي فقط، بل كـ قيمة وطنية ومسؤولية ممتدة.
من إدخال الماكينات الحديثة، إلى تأسيس مؤسسات صناعية مستقرة، إلى تطوير الإدارة والرؤية المستقبلية، ظلت العائلة حاضرة في قلب الصناعة المصرية.هي قصة أسرة آمنت بأن المصنع وطن صغير، وبأن العامل شريك في النجاح، وبأن الجودة اسم مصر في الخارج.

بين زمن عبد الناصر، وتحولات السادات، وتحديات العصر الحديث، بقي اسم عائلة الجمال شاهدًا على أن الريادة الحقيقية لا تُقاس بالزمن، بل بالأثر.إنها حكاية عائلة صنعت المجد بالماكينة، وحافظت عليه بالإدارة، وتستعد للمستقبل بالعقل الواعي… لتبقى واحدة من العلامات المضيئة في تاريخ الغزل والنسيج المصري.








