القاهرة _ أميرة المحمدي :
رمضان في مصر ليس مجرد موسم للعبادة والصيام فقط، بل حدث ثقافي كبير يرتبط به الملايين عبر الشاشة الصغيرة. وفي كل عام، تتنافس الأعمال الدرامية والفنية على البقاء، لكن هناك دائمًا أعمال وبرامج تعرضت للمنع أو الجدل أو الحظر لأسباب متعددة — من حساسية المحتوى إلى انتقادات مجتمعية أو دينية، لتبقى هذه الظاهرة جزءًا لا يتجزأ من علاقة الدراما الرمضانية بالمجتمع والهيئات الرقابية.
1. حظر مسلسلات اعتُبرت “غير مناسبة”من أبرز الحالات الحديثة، قرر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر حظر مسلسل (دنيا تانيه) قبل عرضه في رمضان 2022، بسبب مشهد اعتُبر “غير أخلاقي”، يتناول علاقة غير مناسبة بين زوج وشقيقته، وهو ما اعتبرته الجهات الرقابية مخالفًا للثقافة والقيم العامة.
ورغم محاولة فريق العمل الالتزام بالشروط، إلا أن بث الحلقة في شكلها الأصلي على قناة “النهار” خالف التعليمات، فتم منع المسلسل من العرض.
2. “مُعطّل” بسبب محتوى عنيف أو مسيءبعض البرامج الرمضانية المتكررة أيضًا واجهت دعوات للمنع أو مقاطعة من نقابات وهيئات إعلامية:
• في بعض السنوات، طالب نقابة الإعلاميين والهيئات الإعلامية بحظر برامج رامز جلال الرمضانية مثل “رامز تحت الصفر” أو غيرها، واعتُبرت في بعض الأحيان غير هادفة وتسيء إلى الذوق العام، بالرغم من نسب المشاهدة العالية التي تحققها.
• في عام سابق، أثار برنامج يُقدَّم خلال رمضان 2020 جدلاً واسعًا بعد اتهامات له بـ عنف واستهزاء بالضيوف — خصوصًا تجاه النساء، ما دفع بعض النواب لتقديم شكاوى رسمية لوزارة الإعلام للمطالبة بسحب البرنامج.
3. منع نجوم أو فئات عن المشاركة
خلال الفترة الماضية، قررت نقابات فنية في مصر منع فئات معينة من الظهور في الدراما الرمضانية، كقرار بمنع “البلوغرز” أو مشاهير المحتوى الرقمي من تمثيل أدوار في مسلسلات رمضان، في محاولة للحفاظ على جودة التمثيل والاحترافية داخل الأعمال الدرامية.
كما كان هناك في أحقاب سابقة قرارات ببند منع بطل العمل من الظهور في أكثر من عمل في الموسم ذاته لتفادي استنزاف مواسم الإنتاج، وهو ما عُرف قرارًا تاريخيًا صدر منذ أوائل الألفية. المنع ليس دائمًا عقوبة للنجم نفسه، بل غالبًا جزء من سياسة الرقابة والتوازن بين حرية الإبداع والقيم المجتمعية. مع مرور السنوات، تعلم صناع الدراما كيفية تقديم أعمال تتجنب الحظر مع الحفاظ على الجاذبية والابتكار، بينما يظل النقاش حول حرية الفنانة أو الفنان في اختيار أدواره جزءًا من الصراع الفني المستمر بين الإنتاج، الرقابة والجمهور.
4. أعمال تُمنع لأسباب دينية وحساسية تاريخية
لم تكن القضايا المتعلقة فقط بالجنس أو الأخلاق، بل امتد الجدل إلى محتوى تاريخي/ديني مثير للجدل، مثل مسلسل “Muawiya” السعودي الذي أثار ردود فعل في عدة دول عربية، من بينها مصر، بسبب تصويره شخصيات من الصحابة، وهو موضوع حساس جدًا لدى العلماء والمؤسسات الدينية، فأُصدرت توصيات بعدم مشاهدته لأسباب دينية. الحظر في هذه الحالة لم يأتِ من السلطة الرسمية فقط، بل جاء أيضًا عبر فتاوى أو آراء دينية رأت أن تناول هذا النوع من القصص بشكل درامي قد يؤدي إلى توترات اجتماعية أو إساءة في الفهم.
5. جدل أوسع حول جودة الدراما والمحتوى الرمضاني
بجانب حوادث المنع، تشهد صناعة الدراما الرمضانية في مصر نقاشات مستمرة حول جودة المحتوى والقيم المجتمعية، خاصة أن بعض الأعمال تعرض شخصيات أو مواقف اعتبرها النقاد وغير النقاد غير مناسبة أو مبتذلة، مما يزيد الضغط على الرقابة. ونشرت بعض التوجيهات التنظيمية العام الماضي توصيات لضبط محتوى مسلسلات رمضان 2026، تضمنت اشتراطات لمنع الترويج لعنف أو بلطجة أو تجارة أعضاء دون معالجتها بشكل توعوي، في محاولة للحفاظ على خط وسط بين حرية الإبداع واحترام القيم.
لماذا يُمنَع ويُعاد النظر؟
ظاهرة حظر الأعمال الرمضانية أو إعادة توجيهها ليست مجرد “منع” تقليدي، لكنها صراع بين الحرية الفنية والمسؤولية الاجتماعية والأخلاقية والدينية، في موسم له خصوصيته الدينية والثقافية. الدراما الرمضانية في مصر ليست فقط وسيلة ترفيه، بل مرآة تعكس تطلعات المجتمع، وتحديات القيم، وصراع الأجيال حول ما هو مقبول أو مرفوض.
وكلما زاد تأثير هذه الأعمال على المشهد العام، ازداد الضغط على الجهات الرقابية للموازنة بين حرية الإبداع واحترام الأعراف المجتمعية. وفي هذا الصراع، تستمر الدراما الرمضانية في إثارة الجدل، غير أنه في النهاية — سواء من خلال المنع أو التعديل — تتشكل حصيلة ثقافية تعكس واقع مجتمع كامل يتابع ويراقب ويتفاعل مع عمل فني بشهر واحد فقط؛ شهر رمضان. استخدم رمز “التعديل” لتثبيت المقاطع أو إضافتها أو حذفها.


