القاهرة _ أميرة المحمدي:
من بين قصاصات القماش في غرفة صغيرة، بدأت الحكاية. طفلة في التاسعة تمسك بالمقص لأول مرة، تتأمل الأقمشة كما لو كانت ترى فيها خرائط لحياة أكبر من حدود المكان. لم تكن تعرف آنذاك أن تلك القصاصات ستتحول يومًا إلى مشروع يحمل اسم «إبرة وريشة»، ولا أن الحروف التي كانت تهمس بها لنفسها في لحظات الصمت ستصير كتبًا توقّع باسمها، وأن الألم الذي مرّت به سيصبح مادة للشفاء، لها ولغيرها.
هدير أمين، الكاتبة ومؤسسة شركة «إبرة وريشة»، لا تحب أن تُقدَّم كبطلة خارقة، بل تكرر دائمًا: «أنا بنت عادية قررت تحلم». لكن في التفاصيل تتكشف سيرة استثنائية لفتاة تخرجت في كلية الآثار – قسم الترميم – ثم قررت أن تُرمّم ذاتها أولًا، قبل أن تُرمّم أي أثر.بين دراسة التاريخ وشغف الفن، كانت تبحث عن مساحة تخصّها وحدها.
الرسم جاء مبكرًا، والعلاج بالفن جذبها أكثر، وريادة الأعمال كانت حلمًا يراودها منذ أن كانت تردد لنفسها: لماذا لا أترك أثرًا يحمل اسمي؟ لماذا لا أدخل التاريخ بكتاب؟ كانت تستمع إلى منصات ملهمة وتتخيل نفسها يومًا ما في موقع التأثير، إلى أن تحقق الحلم وصارت بالفعل صوتًا يُصغي إليه الآخرون.
لم يقتصر حضور هدير أمين على الكتب وورش العمل، بل امتد إلى الشاشات أيضًا، حيث حلّت ضيفة على عدد من البرامج التلفزيونية التي أتاحت لها مساحة أوسع لمشاركة تجربتها الإنسانية والمهنية. كان من بينها برنامج ست الحسن، وبرنامج بيت العائلة، وحياتنا، إضافة إلى برنامج يوم جديد على شاشة قناة الحرة، حيث تحدثت عن رحلتها مع الكتابة والعلاج بالفن وريادة الأعمال، مؤكدة أن الإبداع ليس ترفًا بل ضرورة نفسية. كما وقفت على منصة TEDx لتقدم تجربتها بوصفها قصة شغف بدأ من طفلة تمسك بالمقص، وانتهى بسيدة تؤمن بأن الكلمة قادرة على إنقاذ صاحبها.
هذا الظهور المتنوع على قنوات ومنصات مختلفة لم يكن مجرد حضور إعلامي، بل كان امتدادًا لرسالتها في إلهام الآخرين بأن يحلموا، ويجربوا، ويكتبوا قصتهم بأنفسهم.
في كتابها الأول «عزيز»، اختارت أدب الرسائل قالبًا، ونسجت حكاية بين زمنين؛ قديم وحديث، بين جدة تكتب لتفهم نفسها، وحفيدة تعيد اكتشاف ذاتها عبر الحروف. تركت النهاية مفتوحة، كأنها تقول للقارئ: اكتب أنت أيضًا… ليس المهم من هو «عزيز»، بل أن تكتب، لأن الكتابة – كما تؤمن – قادرة على أن تجعلنا أفضل.
لم يكن «عزيز» مجرد عمل أدبي، بل كان ابن لحظة شخصية شديدة القسوة. تعترف هدير بأنها مرّت بفترة اكتئاب حاد، وأن الرسائل التي تضمنها العمل كانت في أصلها رسائلها هي، كتبتها في أكثر أوقاتها هشاشة، ثم أعادت صياغتها لتناسب البناء الروائي.
حتى النهاية، التي حملت فقدان أعز صديقة لها، جاءت من قلب التجربة. تقول إنها شعرت، وسط ذلك الألم، بأنها أكثر اتزانًا بفضل الكتابة، وكأن الكلمات كانت تمسك بيدها كي لا تسقط.
هذا الوعي العميق بقوة التعبير دفعها للتعمق أكثر في العلاج بالفن. ترى أن أكبر أزماتنا أننا لا نعرف كيف نعبّر عن مشاعرنا، وأننا نظل عالقين في ذكريات ومواقف لم نجد لها صوتًا. تتخيل أحيانًا لو أن هناك جهازًا يخبرنا بسبب صداعنا حين نستعيد ذكرى معينة، أو يفسر لنا مغصًا مفاجئًا بأنه أثر صدمة قديمة. بالنسبة لها، الجسد يتكلم حين نصمت، والكتابة والفن وسيلتان لإعادة التوازن بين الداخل والخارج.
في مجموعتها القصصية «عالق في الذكرى» يتجلى هذا الهم الإنساني بوضوح. شخصيات تقف في المنتصف؛ بأجساد تعيش الحاضر، وأرواح لا تزال مقيمة في لحظة قديمة.
المكان في قصصها ليس جغرافيًا بقدر ما هو نفسي؛ الشوارع والبيوت والروائح تتحول إلى خزائن للذاكرة، فيما تتسلل الكاتبة إلى أعماق شخصياتها، تشريحًا لا يخلو من حنان. لغتها، رغم ما تحمله من وجع، تبدو كيدٍ تربّت على الكتف، تهمس: لست وحدك.بعيدًا عن الأدب، كانت «إبرة وريشة» الوجه الآخر للحلم.
جمعت هدير بين الخياطة التي عرفتها طفلة، والرسم الذي أحبته شابة، لتؤسس مشروعًا يمزج الفن بالحياة اليومية. بدأت الفكرة بجرأة وصدفة، ثم تحولت صفحة صغيرة إلى فريق عمل، وطموح بالخروج من حدود الأونلاين إلى مصنع كبير، والتصدير إلى العالم العربي وخارجه. لم تكن الطريق سهلة، خاصة مع إصرار والدتها في البداية على أمان الوظيفة الحكومية، لكن النتائج غيّرت وجهات النظر، وصار الدعم أقوى من الخوف.هدير لا ترى في تنقلها بين مهن متعددة تناقضًا، بل تعتبره ثراءً.
اشتغلت ترزية ومكوجية ونقاشة ومدربة رسم، وكل تجربة تركت بصمتها في شخصيتها. التحدي – كما تقول – هو ما شكّلها، وما جعلها قادرة على اتخاذ قراراتها بشجاعة.وحين تتحدث عن حلمها القادم، يلمع صوتها أكثر: أكاديمية لتعليم الأطفال الفنون، ليجربوا كل شيء قبل أن يختاروا شغفهم. تؤمن أن الإنسان لا يكتشف نفسه إلا بالتجربة، تمامًا كما لم تكتشف هي عشق الكتابة إلا حين كتبت، ولا قوة الشفاء إلا حين واجهت ألمها بالحروف.
في نهاية الحوار، بدت هدير أمين كما تصف نفسها: بنت عادية، نعم… لكنها عرفت أن الحلم قرار، وأن الإبداع ليس رفاهية، بل وسيلة لفهم الذات والنجاة والنمو. وبين إبرة تمسك بالقماش، وريشة تخط الكلمات، تستمر رحلتها في ترميم ما تكسّر، وتحويل الذكرى من قيدٍ إلى جسر.





















