القاهرة – مي عبده:
في عالم الهندسة المعمارية، لا يُقاس النجاح فقط بعدد المشروعات أو الشهادات العلمية، بل بقدرة المعماري على صناعة أثر حقيقي يترك بصمة في المكان والإنسان معًا.
ومن بين النماذج الشابة التي استطاعت أن تجمع بين الاجتهاد الأكاديمي والشغف المهني، يبرز اسم د. أحمد العزب، المدرس المساعد بكلية الهندسة، والذي استطاع خلال سنوات قليلة أن يشق طريقه بثبات من طالب يحلم بأن يصبح مهندسًا معماريًا، إلى باحث أكاديمي حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية من كلية الهندسة جامعة القاهرة، إلى جانب نجاحه في المجال العملي والتدريس الجامعي.

وخلال هذا العام، لاقت تجربة د. أحمد العزب في تدريس مادة التصميم المعماري (3) للفرقة الثانية إشادة كبيرة من الطلاب، خاصة بعد النجاح اللافت لمشروع “المركز الحرفي التعليمي”، الذي جمع بين الهوية المعمارية الإسلامية والرؤية الحديثة، في تجربة أكاديمية عكست روح الإبداع والعمل الجماعي داخل الاستوديو المعماري.
في هذا الحوار، يكشف د. أحمد العزب عن رحلته منذ البدايات الأولى، وأهم المحطات التي صنعت شخصيته، كما يتحدث عن أسرار النجاح، وأهمية الصلاة ورضا الوالدين، ورؤيته لمستقبل العمارة والتعليم المعماري في مصر.
• بدايةً.. نحب نتعرف أكثر على د. أحمد العزب بعيدًا عن الجانب الأكاديمي، كيف تصف شخصيتك في الحياة اليومية؟
والله أنا إنسان بسيط جدًا وبحب شغلي ومجالي بشكل كبير، ويمكن أكتر حاجة بتعبر عني إني شخص بحاول أقسم وقتي بين حياتي العملية والشخصية. بحب الرياضة جدًا، وبحب الجيم والكورة، لأنهم بيفرقوا معايا نفسيًا وبدنيًا وبيخلوا عندي طاقة أقدر أكمل بيها يومي وضغوط الشغل والدراسة.

كمان الصلاة بالنسبة لي شيء أساسي جدًا في حياتي، وبشوف إنها من أهم أسباب التوفيق والراحة النفسية. بحاول دائمًا أصلي في وقتي، ولو موجود في البيت أحب أصلي في الجامع، لأن الصلاة فعلًا بتقرب الإنسان من ربنا وبتخليه أكثر هدوءًا واتزانًا.
أنا مؤمن إن أي نجاح حقيقي لازم يكون مرتبط بالقرب من ربنا ورضا الوالدين، لأن الحاجات دي هي اللي بتفرق في تكوين شخصية الإنسان وبتحافظ عليه وسط ضغوط الحياة.
• كيف كانت رحلة حضرتك من طالب هندسة معمارية إلى الحصول على درجة الدكتوراه من جامعة القاهرة؟
البداية كانت من وأنا صغير، لأن خالي كان مهندس معماري وخريج جامعة عين شمس، وكنت دائمًا أشوفه وهو بيرسم ويشتغل، فالموضوع شدني جدًا وحسيت إني نفسي أبقى زيه أو أوصل لجزء من نجاحه.لما دخلت كلية الهندسة اكتشفت إن الواقع مختلف تمامًا عن التوقعات، لأن الدراسة كانت صعبة جدًا، خصوصًا إن طبيعة المواد والتفكير المعماري مختلفة تمامًا عن مرحلة الثانوية العامة. وبعد دخولي قسم العمارة بدأت أواجه تحديات أكبر، لأن المجال محتاج موهبة وصبر وتدريب مستمر، سواء في الرسم أو الإخراج أو التفكير التصميمي.
في البداية درجاتي ماكنتش الأفضل، لكن كنت دائمًا أراقب الناس الشاطرة وأتعلم منهم. كنت مؤمن إن كل شخص لازم يكون له أسلوبه الخاص، وإن النجاح الحقيقي إنك تطور نفسك بطريقتك أنت. مع الوقت والاجتهاد الحمد لله قدرت أتفوق وأطلع الأول على الدفعة وتم تعييني في الكلية، وبعدها بدأت رحلة الماجستير والدكتوراه.
أنا في البداية كنت متخيل إني هتخرج أشتغل في شركات كبيرة فقط، لكن ربنا وجهني للطريق الأكاديمي، والحمد لله وصلت لمرحلة إني بقيت دكتور في الجامعة، واشتغلت أيضًا في عدد من المشروعات الهندسيه في مجال التصميم المعماري المستدام وبالاخص في المباني الإدارية واشتغلت أيضا في التصميم الداخلي (الديكور)
• من أكثر شخص دعمك خلال رحلتك العلمية والمهنية؟
أكيد الأسرة كان لها دور كبير جدًا في دعمي، وخصوصًا الوالدين، لأن أي إنسان مهما كان ناجح لازم يكون وراه ناس بتدعمه نفسيًا ومعنويًا.
كمان كان فيه دكاترة كثير ساعدوني ووجهوني خلال الرحلة، والإنسان طول ما هو بيتعلم من اللي حواليه عمره ما بيقف مكانه.أنا مؤمن جدًا إن النجاح مش بيجي بشكل فردي، لكنه نتيجة دعم وثقة ومساندة من ناس كثيرة حوالينا، سواء أسرة أو أصدقاء أو أساتذة.
• النجاح الأكاديمي دائمًا يحتاج توازن.. كيف توفق بين حياتك الشخصية وضغوط العمل والدراسة؟
الموضوع فعلًا صعب جدًا، لأن الجمع بين التدريس والعمل الأكاديمي والشغل العملي في نفس الوقت بيحتاج مجهود وضغط كبير جدًا. كنت أحيانًا أكون مطالب بتسليمات وشغل في الكلية وفي نفس الوقت عندي دراسة وبحث علمي، فكان لازم أتعلم إزاي أنظم وقتي وأحدد أولوياتي.
لكن في النهاية أي شخص بيحب مجاله بيستحمل التعب عشانه. أنا بحب التصميم جدًا، وبعتبره جزء ممتع في حياتي رغم كل الضغوط، وده اللي كان بيديني طاقة للاستمرار. أكيد الموضوع محتاج صبر والتزام، لكن لما تشوف نتيجة تعبك بتحس إن كل المجهود كان مستحق.
• هل الزواج والعائلة بالنسبة لك يمثلوا دافعًا للنجاح أم مسؤولية إضافية؟ وكيف ترى تأثير الاستقرار الأسري على الحياة المهنية؟
أي علاقة ناجحة لازم يكون أساسها التوافق الفكري والتفاهم. الإنسان لازم يختار الشخص اللي هيضيف له وهو كمان يضيف له، لأن الجواز في النهاية مشاركة ودعم متبادل مش مجرد ارتباط شكلي.أنا شايف إن الاستقرار الأسري من أهم عوامل النجاح، لأن لما يكون فيه تفاهم واحترام ودعم بين الطرفين ده بيدي الإنسان راحة نفسية كبيرة تساعده ينجح في حياته العملية. المفروض كل طرف يكون مصدر دعم للطرف التاني، وده اللي بيخلق حياة مستقرة وناجحة.
• في ظل انشغالك بالتدريس والبحث العلمي.. كيف تقضي وقت فراغك بعيدًا عن الهندسة؟
بحب جدًا أخرج مع أصحابي وأقضي وقت لطيف بعيد عن ضغط الشغل، وبحب الكورة والجيم بشكل كبير، وكمان السفر بالنسبة لي شيء ممتع لأنه بيغير الطاقة وبيفتح ذهن الإنسان ويخليه يشوف أفكار وثقافات مختلفة.بحاول دائمًا أخلق نوع من التوازن بين الشغل والحياة الشخصية، لأن الإنسان لو فضل طول الوقت تحت ضغط هيفقد شغفه مع الوقت.
• تجربة تدريس مادة التصميم المعماري (3) هذا العام حققت إشادة كبيرة، ما أكثر موقف أو مشروع أثر فيك مع الطلاب؟
أنا بتعامل مع الطلبة على إنهم إخواتي الصغيرين، وفي نفس الوقت لازم يكون فيه احترام والتزام داخل الاستوديو. بحاول دائمًا أديهم من وقتي وخبرتي على قد ما أقدر، وأتابع تطورهم خطوة بخطوة.
السنة دي الحمد لله كانت مميزة جدًا، لأن المجهود اللي اتبذل من الطلبة والمعيدين كان واضح جدًا، وده انعكس على مستوى المشاريع النهائية. كنت سعيد جدًا لما شوفت التطور اللي حصل للطلبة خلال الترم، وحسيت إن فيه روح تعاون حقيقية بين الكل.
• مشروع “المركز الحرفي التعليمي” كان من المشاريع المميزة، كيف وجدت تفاعل الطلاب مع الفكرة؟
المشروع كان قائم على فكرة الدمج بين التعليم والحرف والتراث، وكان موقعه في منطقة الحسين، وبالتالي كان لازم يكون فيه ارتباط بالطابع الإسلامي والهوية المعمارية لشارع المعز والأزهر، لكن بشكل حديث يناسب العصر الحالي.
أنا كنت حريص إن الطلبة ماينقلوش المفردات الإسلامية بشكل مباشر، لكن يفهموا روح العمارة الإسلامية ويطوروها بأسلوب معاصر. والحقيقة إن تفاعل الطلبة مع الفكرة كان رائع جدًا، وقدروا يقدموا حلول وتصميمات مميزة جدًا تعكس فهمهم للمكان والهوية.
• برأيك.. ما أهم الصفات التي يجب أن يمتلكها المعماري الناجح اليوم؟
أهم حاجة إن المعماري يطور نفسه بنفسه بشكل مستمر، لأن المجال بيتغير بسرعة جدًا. لازم يكون عنده استعداد يتعلم من أي شخص ومن أي تجربة، ومفيش عيب أبدًا إن الإنسان يستفيد من غيره.كمان لازم يكون عنده شخصية وأسلوب خاص به، ويكون قادر يحل المشاكل ويتعامل مع التحديات المختلفة، لأن العمارة مش مجرد رسم، لكنها طريقة تفكير وقدرة على الابتكار وإيجاد الحلول.
• أخيرًا.. هل يمكن أن نرى د. أحمد العزب في مشروعات أو مبادرات معمارية أكبر خلال الفترة القادمة؟
إن شاء الله أتمنى أكون دائمًا في تطور مستمر سواء على المستوى الأكاديمي أو العملي، وأحب جدًا إن يكون لي دور في مشروعات معمارية تساهم في تطوير الفكر المعماري والحفاظ على الهوية المصرية بشكل معاصر.طموحي إن الإنسان يفضل يتعلم ويجتهد طول الوقت، وأعتقد إن أي نجاح حقيقي هو رحلة مستمرة وليس محطة وصول.









