تجول بفكري وخاطري وقت استعداد قلمي للكتابة مقولة رئيس الوزراء البريطاني السابق ونستون تشرشل أثناء الحرب العالمية الثانية التي خرجت منها بريطانيا العظمى مثخنة الجراح وهي أنه ليس لدينا ما نقدمه غير الدم والتعب والدموع والعرق، لكننا نضن بشحذ الإرادة واستنهاض الهمم في وقت نخوض فيه مواجهتين الأولى هي البناء والتنمية والثانية هي قطع الطريق على من يحاولون سرقة موارد وثمار البناء والتنمية.. ربما كليمات صاغها ملقيها بحرفيه قصد بها الاعتراف بالوضع الراهن وشخذ الهمم لما هو قادم.
تذكرت هذه العبارات لرئيس الوزراء البريطاني وأنا اتبع الحديث الأخير للسيد رئيس الجمهورية في إطار مصارحته للمجتمع ومؤسسات الدولة ببعض المشكلات ومظاهر التقصير. ليس الأمر جديداً تماماً لأن عبارة “شبه الدولة” ما زال يتردد صداها في الآذان والعقول لتبقى أكثر العبارات شجاعة سيذكرها التاريخ لرئيس مصري. لا أخفي إعجابي بهذه المصارحة والشفافية بشأن قضية التفكير المؤسسي في مجتمعنا، فكل قرار أو فعل هو نتاج تفكير ما. والعبارة التي لخصت الموقف بأكمله هي أن البعض يبحث عن البقاء في المنصب بأكثر مما يقلقه الصالح العام. كان بوسع رئيس يتحمل مسؤولية أكبر وأهم وأعقد دولة في المنطقة أن يلجأ إلى المسكّنات والحلول المؤقتة، كأن يوزّع مثلاً على المواطنين مئات المليارات التي أُنفقت على مشروعات تنموية استراتيجية كبرى قانعين بأن نعيش اليوم بيومه في انتظار المعجزات والخوارق التي لن تأتي أبداً لأنها تجافي منطق الأسباب والنتائج.
ما يؤلم اليوم أن استحلال المال العام وعدم الاكتراث بالصالح العام ما زال ظاهرة تدعو للقلق برغم الجهود الكبيرة للجهات الرقابية في الدولة وعلي رأسها الرقابة الإدارية التي باتت العين التي تسهر لحماية المال العام وحراسة الجمهورية الجديدة. بالطبع ليس هناك دولة على سطح الأرض تخلو من الفساد لكن بين فسادنا وفسادهم اختلافات كثيرة. وللحق فالفساد لدينا لا يقتصر على الفساد في بعض المؤسسات الحكومية لكنه أيضاً فساد مجتمعي ينخر في عظام المجتمع نفسه.
والفساد ليس فساداً مالياً فحسب لأن هناك صوراً أخرى شتى للفساد المهني والقيمي والعلمي. بخلاف الشرفاء الغيورين على الصالح العام وهم موجودون لحسن الحظ هنا أو هناك ثمة بعض المسؤولين الذين يديرون مؤسساتهم بتقاليد غريبة وعدمية. نعم لا تعترف بخلل جسيم وقع في مؤسستك حتى لو لم تكن أنت مرتكبه، ولا تعلنه وارفع مقولة لا داعي للشوشرة. نعم لا تقترب من الحلول الجذرية لمشكلاتك المؤسسية المزمنة واختر الحلول المسكّنة وعش اليوم بيومه وكن من حزب إيثار السلامة. نعم لا تحاسب المخطئين من موظفيك لأن عاقبة تذمر الكسالى والفاشلين تهدد استقرار منصبك ودع الملك للمالك. نعم تذكّر مقولة إن الذين لا يعملون هم الذين لا يخطئون أبداً، فاغلق باب مكتبك واصمت بأكثر مما تتكلم، ولا يكن لك موقف ولا تكن مبادراً وتذكّر أن للمصلحة العامة ربٌ يحميها.
من السهل لمن يتأمل أحوال المجتمع المصري أن يكتشف أنه لا تنقصنا الأفكار الهامة والجديدة وأحياناً العبقرية. فلدينا كثير من الكتابات الجادة المتعمقة التي تطرح حلولاً لمشاكلنا وأزماتنا، لدينا مؤسسات ومراكز أبحاث، توصيات ومؤتمرات لا تنقطع، دراسات وتقارير وأبحاث تحتشد بأفكار جديدة. ويكفي أن نطالع اليوم بيانات وأرقام وتحليلات مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار لنحصل على تشخيص شامل ودقيق لواقع مجتمعنا في شتى المجالات وأولها التعليم.
هل معقول مثلاً أن يكون لدينا قانون وهيئة لمحو الأمية منذ عام 1992 وسبق أن أعلنت الدولة في عام 1989 أن العشرية المقبلة هي للقضاء على الأمية أي أنه كان يجب إنجاز ذلك منذ ربع قرن من الزمان تقريباً ثم لا تزال نسبة الأمية 25.8 % وفقاً لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار في حين أن دولاً أخرى غيرنا قضت على الظاهرة في عدة سنوات؟ أليس غريباً أن يعلن أحد وزرائنا بتباه أننا نجحنا في محو أمية 410 ألف مصري خلال 2020/2021 ناسياً أننا بهذا المعدّل سنحتاج إلى 65 سنة أخرى للقضاء على الأمية!
السؤال المحيّر كيف يكون لدينا أفكار وحلول وأدمغة عظيمة ومواهب شابة ومازالت دورة تحوّل الفكرة إلى فعل في بلادنا بطيئة إلى هذا الحد؟ هل يكمن التفسير في أزمة اختيار القيادات والمسؤولين؟ هل نفتقد العزيمة والهمّة؟ هل نخاف من الإصلاح والتحديث؟ العجيب أن الشعب المصري أثبت في تاريخه القديم والحديث همة وجسارة تثيران الإعجاب. ولا يمكن تفسير بناء الأهرامات وحفر قناة السويس وتشييد السد العالي وإنجاز عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف في حرب أكتوبر 1973 وإطلاق أكبر حركة تنمية عرفها تاريخنا الحديث إلا بفضل ما تحلى به المصريون من الهمة وروح التحدي.
حضرات السادة: أننا نحتاج إلى القيام بمراجعات كبرى نبدأ فيها بأنفسنا كأفراد في مجتمع بقدر ما تقوم بها السلطة. ولعلّ حديث رئيس الجمهورية بأسوان مؤخراً كان نموذجاً لهذه الروح الجديدة، فالإصلاح في تحدياته ونجاحاته ليس عبء شخص واحد بل هو تيار جماعي جارف يجب أن يشمل مؤسسات الدولة وثقافة المجتمع أيضاً.. ولنعمل جميعاً مطورين لأفكارنا التنموية حتي تصل رسالتنا للرجل الصالح مؤكدين ( نعم نحن نعينك وبقوة ).


