لعلّ السؤال المتردد دائما .. لماذا الأهدار في ثرواتنا وأسباب تعطل طاقاتنا.. لا أخفيك سرا أن قلت لك..أننا مجتمع غير منظم. وأننا نفتقد النظام لغياب المعايير الضابطة لهذا النظام، وغابت المعايير بغياب المساءلة. وغابت المساءلة تارةً لأننا نؤثر السلامة ونعزف عن خوض معارك الإصلاح، وتارةً ثانية بفعل ثقافة “معلش”، وتارةً ثالثة بحكم الخلط بين مفهوم القانون ومفهوم العرف. يكاد هذا التصوير يلخص حال مجتمعنا في الكثير من المجالات خلال الخمسين عاماً الأخيرة حتى تراكمت السلبيات وصارت الأوضاع الخاطئة نفسها بل الجرائم حقوقاً مكتسبة لدى البعض!! ( مخالفات البناء نموذج _ والغش والتلاعب في الأسعار) وعلى العكس من ذلك تماماً رأينا كيف نهضت شعوبٌ وتقدمت أمم لأن الحزم والانضباط وعلو الشعور بالصالح العام لدى الحاكمين والمحكومين كان هو معيار المعايير. وليست تجربة النهوض العظيم لدول شرق آسيا التي كانت تزاملنا يوماً ما في التعثر والتخلف سوى مثال ذلك.
اليوم وبعد طول استمرار واستمراء للفوضى بدأنا نرى عودةً لدولة الحزم والانضباط والمساءلة وهي تسعى لاسترداد الأراضي المنهوبة في أكبر عملية تواطؤ بين البيروقراطية الإدارية وثقافة استباحة المال العام لدى الأفراد. لكن دولة الحزم والانضباط تخوض مواجهة صعبة، وكأن المواجهات والصعاب هي قدر هذا البلد. الطرف الآخر من المواجهة يتمثل في جماعات مصالح، وقوانين فقدت قوتها الرادعة، وواقع ترهل نظم تسجيل وحماية أملاك الدولة التي لم تعرف بعد ونحن في القرن الحادي والعشرين سجلاً عينياً إلكترونيا لا مجال لاختراقه أو العبث فيه.
أخيراً تسترد سلطة إنفاذ القانون دورها الغائب أو المُغيّب لمواجهة ظاهرة التعدي على أملاك الدولة ومخالفات قوانين البناء، والتي تُعد في أي دولة متحضرة من قبيل المقدسات التي لا يجرؤ مواطن على انتهاكها. هذه روح جديدة لم نشهد لها مثيلاً في الخمسين عاماً الأخيرة ولحظة مهمة في تاريخ إدارة أراضي مصر وثروتها العقارية إما أن نقتنص هذه اللحظة ونؤسس بها لمرحلة جديدة دائمة، وإما أن نهدرها وتنتكس جهودنا لنعود للحال المائل القديم مرة أخرى. من هنا التساؤل هل تكفي الإرادة السياسية وحدها (التي طالما كنا نشكو غيابها) لفرض حماية أراضي الدولة وهي في الحقيقة أرض كل مواطن من المائة مليون مصري وتطبيق قوانين البناء على الجميع أم أن جماعات المصالح والبيروقراطية المتضررة سيكون لها كلمة أخرى؟ هنا عدة ملاحظات للبحث عن إجابة.
الملاحظة الأولى أن إدارة النقاش المجتمعي كأحد عناصر عملية تقييم الأثر التشريعي لقوانين البناء والقرارات المتعلقة بالتصالح في مخالفات البناء ما زالت تحتاج إلى رؤية أشد تكاملاً ووضوحاً وإلى مؤازرة إعلامية صحيّة تحتكم إلى الصالح العام، فبعض المعالجات الإعلامية تبدو متعاطفةً على استحياء ودهاء مع جماعات المصالح المخالفة للقانون. في هذا النقاش المجتمعي المطلوب يجب إشراك المجتمع كله وليس فقط الطرف المخالف للقانون. فمن الواضح أن المواقف والآراء من قانون التصالح في مخالفات البناء تدور مع المصالح الشخصية وليس الصالح العام. بوسعنا أن نفهم اعتراض المتضررين من القانون باعتبارهم واقعياً وإنسانياً أصحاب مصلحة، لكن ما يصعب فهمه أو تبريره هو أن تظل حالة البناء في مصر “سداح مداح”. في هذا المناخ المخالف للقانون جهاراً نهاراً أصبحت مدننا وشوارعنا بل وأزقتنا غير آمنة تهددها المخاطر والكوارث بفعل الأبراج المخالفة. الناس اليوم في مصر تنام في البيوت وتسير في الشوارع بقوة الستر الإلهي وحده وليس بضمان قوانين البناء أو معاييرها واشتراطاتها. هذا أمر لا يحدث في أي مجتمع محترم في العالم. المطلوب هو طرح كل هذه الجوانب على الرأي العام بخطاب عقلاني ومقنع وشجاع متسق مع نفسه يبدأ من عرض أبعاد مشكلة/كارثة الأبنية المخالفة والأرض المعتدى عليها بالأرقام والجداول الاحصائية والمخاطر وأشكال المخالفات والتعديات ولو من خلال مقطع فيديو بسيط وقصير للهيئة العامة للاستعلامات أو غيرها على شاشات التلفاز وذلك قبل أي حديث عن نصوص القانون نفسه.
مطلوب أيضاً أن يعرف الناس أن المبالغ المحصّلة وفقاً لقانون التصالح يتم تخصيصها بنص القانون نفسه لصالح مشروعات البنية التحتية من صرف صحي ومياه شرب وغيرها، ولصالح صندوق الإسكان الاجتماعي، وكلها مجالات للنفع العام في مجتمع ما زال 35% منه محروماً من شبكة صرف صحي (وفقاً لتصريح وزير الإسكان أمام مجلس النواب)
الملاحظة الثانية أنه بقراءة مجموعة القوانين واللوائح التنفيذية الخاصة بالتعديات على أراضي الدولة ومخالفات البناء يتضح أنها تتبع سياسة تشريعية ناجعة تنطلق من فكرة التفريد التي لا تعتمد على تسعيرة جزائية واحدة لمبالغ التصالح لكنها تقوم على تفريد مخالفات البناء بحسب طبيعتها وجسامتها ثم تضع لكل مخالفة مبلغ التصالح المناسب لتقنين الوضع المخالف. فعلى سبيل المثال مخالفة البناء بدون ترخيص لكن مطابق للاشتراطات التخطيطية والبنائية أقل جسامة من مخالفة البناء بدون ترخيص وغير مطابق للاشتراطات، ولكل منهما مبلغ التصالح المناسب. كما أصدر بعض المحافظين قرارات تحدد مبالغ التصالح بحسب مستوى المنطقة السكنية ومساحات الشوارع وتتفاوت بحسب الغرض السكني أو التجاري. ربما يرى البعض أن قيمة التصالح تبدو مرتفعة أو تحتاج إلى تقسيط، هذه حالات قابلة للنقاش لكنها لا تعني الارتداد على القانون كله وتكريس مجمل الأوضاع المخالفة القائمة، وإلا فإنها الفوضى مرةً أخرى.
والواقع أن الجدل الدائر حالياً في الرأي العام بشأن مخالفات البناء لم يكن له أن يحتدم بهذا الشكل إلا بسبب المبالغ التي تقررت كضمان لجدية التصالح وذلك بعد ما ثبت أن رسم فحص طلب التصالح الذي كان منصوصاً عليه في اللائحة التنفيذية للقانون 17 لسنة 2019 كان مبلغاً زهيداً يدفعه المخالفون لاكتساب وضع قانوني ظاهري دون أن يعقب ذلك اتخاذ إجراءات جدية للمضي في التصالح. ربما تتطلب اعتبارات المواءمة بحكم الظروف المعيشية والاقتصادية السائدة تعديلاً جزئياً في هذا الإجراء أو ذلك المبلغ أو تلك الفترة لكن يجب ألا تكون هذه المواءمات على حساب القوة الحازمة والرادعة للقانون.
الملاحظة الثالثة أن أكثر ما يُقلق الناس هو معرفة من الذي يتحمل دفع مبلغ التصالح عن مخالفات البناء؟ يرى بائعو الوحدات السكنية، أياً كانت تسميتهم كمقاولين أو أصحاب عقار أو رؤساء لاتحاد ملّاك أن المشترين لهذه الوحدات هم من يتحملون دفع مبالغ التصالح. ويرى المشترون أصحاب الوحدات السكنية أن أصحاب العقار البائعين هم مرتكبو المخالفة وبالتالي فهم المسؤولون عن دفع مبلغ التصالح. زاد من حالة الغموض والجدل أن القانون استخدم تعبير “ذوو الشأن” للدلالة على من يجب عليه اتخاذ إجراءات التصالح. كان حريّاً بالمشرع أن يكون أكثر حسماً في تحديد المسؤول عن إجراءات التصالح وهو لا يمكن أن يكون سوى صاحب العقار باعتباره مرتكب المخالفة، وهو ما يقتضيه مبدأ شخصية المسؤولية القانونية لا سيّما في شقها الجنائي باعتبار أن مخالفات البناء تشكل بحسب الأصل جرائم جنائية. ربما كان هدف المشرع بتعريف المتصالح بأنه (ذو الشأن) لكي يمنح مشتري الوحدات السكنية فرصة التصالح الجماعي لتقنين المخالفة وإدخال المرافق حال عدم وجود صاحب العقار لأي سبب من الأسباب. أما قول أصحاب العقارات بأن من اشترى وحدة سكنية كان عالماً بكونها مخالفة أو تلك هي مسؤولية سلطة المحليات التي وافقت وسكتت فهذا قول هراء لا ينفي عنهم المسؤولية القانونية.
ومع ذلك لن يخلو الأمر من بعض التعقيدات التي لا يتسع المقام لمناقشتها مثل تقادم المخالفات أو تلك الناشئة عن وجود صاحب العقار أو المقاول المستتر في ظل انتشار ظاهرة ما يُعرف بالكحول، وهذه بذاتها قصة أخرى وعبث قانوني آخر يتحمل مسؤوليته سلطة المحليات ومهندسو الأحياء الذين فعلوا في المجتمع المصري ما لم يفعله الأعداء في حروبهم ضد مصر.
في نهاية المطاف وبرغم أي إشكاليات أو تفصيلات جزئية في منظومة القوانين واللوائح المتعلقة بالتصالح في مخالفات البناء فالمؤكد أننا أمام قوانين تستمد نجاعتها من تقرير جزاءات من نفس جنس هدف مرتكب المخالفة وهو الطمع والجشع بغير اكتراث لقوانين أو اهتمام بحياة الناس أو السلامة العامة. هذه قوانين تؤسس لدولة الحزم والانضباط ولن يتحقق هذا بغير تفهم ومؤازرة مجتمعية في مواجهة نمط سلوك أناني وفوضوي إذا كنا نسعى حقاً إلى بناء مصر جديدة بقيم جديدة.
سادتي الاجلاء.. في الجمهورية الجديدة لا حصانة لفاسد..ونعم أصبح للانضباط معايير..
أهلا بكم في الجمهورية الجديدة.


