dhl
dhl

ماجد الخروصي يكتب: الاقتصاد.. ومتلازمة المنطق والواقع

حينما أنهيت دراسة تخصص علم الاقتصاد في المرحلة الجامعية، كانت الفكرة أن أبدأ رحلةَ بحثٍ جادة عن إكسير الفهم الكامل للاقتصاد، وكما حَلُم الفيزيائيون قديما بإيجاد (معادلة كل شيء) التي تفسر هذا الكون، كنت أتوقع أن أجد معادلة شبيهة للاقتصاد تجعلني قادر على فهم وتفسير كل شيءٍ اقتصادي. وبعد ما اكتشفت أنني كنت أبحث عن وهم، كان لابد أن أحدد المستطاع، وذلك المستطاع هو أن أدرك على الأقل أين يتموضع الاقتصاديون عند تحليلهم للأحداث وإبداء آرائهم الاقتصادية؟ ومن أي شرفة ينظرون إلى الواقع الذي يحاولون إلصاقه بالنظرية الاقتصادية التي لا تعترف غالبا بخصوصية المشهد من أجل الخروج برأي مصبوغ بصبغة علمية؟ ولماذا قد تتباين تفسيراتهم في كثير من الأحايين، فيُغلّب بعضهم الجانب الإنساني وينطلق من منطلق أن الاقتصاد لابدّ أن تكون غايته السامية مزيدا من رفاهية الإنسان، في حين ينصب اهتمام الفريق الآخر في تكوين الثروة وحساباتها؟ وفي رحلة البحث عن جواب لتلك الأسئلة، كانت الخلاصة أنه ليس للاقتصاديين زاوية يتموقعون منها للدراسة والتحليل، فالفكر الاقتصادي هو مزيج من جانبين، وأحد تلك الجوانب فلسفي يشاهد علم الاقتصاد ضمن الحركة الاجتماعية وسلوك الأفراد، أما الجانب الآخر فهو رياضي مهتم بحسابات الثروة والعلاقات بين المتغيرات الاقتصادية، وهذا المزيج -غير المتصالح أحيانا- ناشئ من تكوين علم الاقتصاد نفسه، والسياق التاريخي الذي مر به ضمن سياق تطور العلوم الأخرى، والتطور الذي فرضته الثورات الصناعية.

يصنف علم الاقتصاد ضمن العلوم الاجتماعية، ومن المعروف في حقل العلوم الاجتماعية أن مجالاته المختلفة تتداخل فيما بينها، وهذه طبيعة السببية التي اشتهرت بها هذه العلوم، فتفاعل الأفراد مع الموارد المتاحة الذي يعبر عنه بالسلوك الاقتصادي لا يمكن له أن يتجاهل التأثيرات الثقافية والاجتماعية والأخلاقية وحتى النفسية، إلا أن طبيعة تكوين علم الاقتصاد ومراحل تطوره في السياق التاريخي العلمي الذي تولد عنه الجدل الفكري حول صحة المنهجية العلمية في العلوم الاجتماعية، أرغمه بالانسياق نحو اعتماد الرياضيات كمنهج تحليلي، ليلحق بذلك بركب العلوم العلمية الأخرى التي أشاع أصحابها رأيهم القائل: إن العلم يستحق وصفه علما إذا استطاع إثبات نظرياته وفرضياته رياضيا على الأقل. وهذا جعل التحليل الاقتصادي يمر بثلاث مراحل للخروج باستنتاجات رصينة، أولها توصيف المشكلة أو الموضوع المراد دراسته، وهذه مرحلة لفظية فلسفية وهي وإن بدت سهلة إلا أنها تتطلب مكنة فكرية دقيقة، والمرحلة الثانية هي مرحلة رياضية (منطقية) تتمثل في تحديد علاقة المتغيرات الفاعلة مع بعضها البعض، ثم المرحلة الأخيرة وهي القياس الاقتصادي والتي تثبت صحة المرحلة الثانية أو تنفيها من خلال تحديد العلاقات الكمية بين المتغيرات باستخدام الأساليب الإحصائية، وبهذا النهج الذي يمزج بين النظرية الفلسفية والمنطق الرياضي الإحصائي استطاع علم الاقتصاد أن يجد له موطأ قدم بين العلوم العلمية مع احتفاظه وصفيا بأنه علم اجتماعي.

علم الاقتصاد منطقي أم واقعي؟

بدأ ظهور علم الاقتصاد ضمن كتابات قدامى المفكرين والفلاسفة كجزء من الفلسفة السياسية والأخلاقية، فهو لم يكن بعد فرعا مستقلا من فروع المعرفة، فقد ناقش فلاسفة اليونان قديما قضايا تعد ضمن مجالات بحث علم الاقتصاد اليوم من مثل توزيع طبقات المجتمع، والملكية الخاصة والعامة، ودور النقود ونشأتها، وقضية الرق، وسار على السياق نفسه فلاسفة الرومان في أطروحات مشابهة، وفي القرون الوسطى تطور نظام الإقطاعيات لتظهر ممارسات اقتصادية تنظم حقوق ملكية الأرض بين السيد والفلاح وحصص الإنتاج، وبالتزامن مع عصر الإقطاعيين ظهر الإسلام ليحدث طفرة جديدة في القضايا الاقتصادية مثل تلك المتصلة بالعمل، وآلية عمل السوق، وملكية الموارد، وتحريم الربا والنهي عن الاحتكار.

وقد أدى انهيار عصر الإقطاع خلال القرن الخامس عشر لظهور أفكار مدرسة التجاريين والتي امتدت من القرن الخامس عشر حتى القرن الثامن عشر، وتمثلت أبرز أفكار هذه المدرسة في أن الثروة هي المصدر الأول لقوة الدولة؛ لذلك يجب أن تعمل الدولة على تنمية ثرواتها. وقد مهدت أفكار مدرسة التجاريين لظهور علم الاقتصاد بمفهومه الحالي على يد مجموعة من الاقتصاديين الذين عُرفوا فيها بعد بالاقتصاديين الكلاسيك وعلى رأسهم آدم سميث (1723 – 1790) والذي أصدر كتابه الشهير المعروف بثروة الأمم في العام (1776). ولعل أهم ما جاء ضمن أفكار هذه المدرسة نظرية الإنتاج والتي تضمن ظاهرة التخصيص وتقسيم العمل، هذا بالإضافة لقانون الغلة المتناقصة، كما جاءت ضمن أفكارهم نظرية مالتس في السكان، ونظرية القيمة، ونظرية قيمة العمل، هذا بالإضافة لنظرية التوزيع الوظيفي للدخل.

كان لابد من التعريج على تاريخ نشأة علم الاقتصاد وتطوره لفهم التحولات في اهتمامات هذا العلم، فبداياته الفلسفية التي تمحورت حول الفرد ومجتمعه، انزاحت نحو الاهتمام بشكل كبير إلى جانب الثروة والحسابات المرتبطة بها، ومن هنا نشأ مأزق المنطق والواقع عند الاقتصاديين، فبين المنطق الذي يأخذ علم الاقتصاد ليصبح علما محاسبيا مهتما بالأرقام والمؤشرات المالية، والواقع الذي يلزم الاقتصادي بأن يسقط النظرية ضمن سياقها الاجتماعي وليس بمعزل عنه. إن متلازمة النظرية والواقع لدى الاقتصاديين من أصعب مآزق التفكير التي يعانونها والتي تنطوي على مخاطر لا تنعكس آثارها على المستوى الاقتصادي فحسب، بل تتعداه طالما أن الاقتصاد يتغلغل في مجالات حياة الإنسان، وأن الاقتصادي يتأثر بالنظرية التي تصعد به إلى التجريد والتعميم، وبين جموع الجماهير التي تريد شرحا وفهما للواقع المُعاش.

خلاصة القول، هناك خطر استنتاجي في التحليل الاقتصادي إذا ما انتزع من سياقه الاجتماعي، فالاقتصاد هو ابن بيئته، والحسّ التطبيقي المحلي والإلمام بخلفيات الاقتصاد الوطني وإدراك سماته الخاصة ومشكلاته النوعية، كذلك إطاره الاجتماعي الأوسع هو أساس فهم القضية الاقتصادية وحلها، وفي مقابل ذلك لا يمكن التخلي عن النظريات والقوانين بحجة خصوصية الوضع حتى لا نتأزم في فهم الظواهر الاقتصادية وتفسيرها ومعرفة مآلاتها. والاقتصادي الحكيم هو الذي يستطيع أن يجمع بين منطق النظرية والواقع الاقتصادي.
جريدة عمان

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.