مع شعور بعض الحلفاء بالضجر من القوة الأميركية، يبدو أن الأميركيين أنفسهم أصبحوا يشعرون بالضجر من حلفائهم. ومؤخراً، أعدتُ مشاهدة فيلم «يوم الاستقلال»، فيلم الإثارة الصادر عام 1996 حول كائنات فضائية مفترسة تحاول غزو الأرض ونهبها. وبينما كنت أستمتع بالمؤثرات البصرية لفت انتباهي مشهد جعلني أفكر في العالم الحقيقي. عندما اكتشف العالم العبقري «جيف جولدبلوم» كيفية اختراق الدروع المغناطيسية لسفن الفضاء الضخمة والمعادية، قامت الولايات المتحدة بتعبئة العالم للرد. في ذلك المشهد، قال ضابط بريطاني: «لقد حان الوقت بالفعل.. ما الذي يخططون لفعله؟». لقد جسّد هذا المشهد روح تلك الحقبة.ففي منتصف التسعينيات، كنا نعيش في عالم أحادي القطب، حيث كانت الولايات المتحدة القوة العالمية الوحيدة التي لا جدال فيها. وفي لحظات الأزمات، كانت الدول الأخرى تتوقع من أميركا أن تقدم الحل. لكن بعد مرور ثلاثين عاماً، يبدو أن أولئك الذين عادةً ما يتطلعون إلى واشنطن بحثاً عن القيادة ينظرون إليها الآن بثقة أقل. في عام 2017، تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام آلاف البولنديين المجتمعين في شوارع وارسو، وقال لذلك الجمهور المتحمس إن «الرابطة عبر الأطلسي بين الولايات المتحدة وأوروبا قوية كما كانت دائماً، وربما، بطرق عديدة، أقوى من أي وقت مضى». لكنه أضاف: «يجب على أوروبا أن تثبت أنها تؤمن بمستقبلها من خلال استثمار أموالها لتأمين هذا المستقبل»، لأن «السؤال الأساسي في عصرنا هو ما إذا كان لدى الغرب الإرادة للبقاء». وفي حين أن بعض الحلفاء أصبحوا يشعرون بالضجر من القوة الأميركية، يبدو أن الأميركيين أصبحوا يشعرون بالضجر من حلفائهم.وعلى مدى سنوات، خلال ولايته الرئاسية الأولى وفي حملته الانتخابية الأخيرة، كان ترامب واضحاً في القول إنه سيضع أميركا أولاً، وذكّر مراراً وتكراراً أعضاء «الناتو» الآخرين بأن التحالف ليس خدمة مجانية. وأخيراً، استوعب الأوروبيون الرسالة: أمننا ليس خدمة تقدمها الولايات المتحدة، بل يبدأ بنا. لكن استقلال الأمن الأوروبي يجب ألا يتعارض مع التعاون الوثيق مع الولايات المتحدة. في عالم مثالي – في عالم أكثر أماناً – سيكون لدينا الأمران معاً. في أوروبا، نحن ندرك تماماً أين تكمن أولوياتنا.فمنذ بداية الحرب في أوكرانيا، في فبراير 2022، قدم الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء الـ27 مساعدات مالية وعسكرية وإنسانية ودعماً للاجئين الأوكرانيين تجاوزت قيمتها 140 مليار دولار. كما وافق القادة الأوروبيون على تخصيص ما يصل إلى 54 مليار دولار، حتى عام 2027، لدعم تعافي أوكرانيا وإعادة إعمارها وتحديثها. وفي نوفمبر الماضي، ساعد الاتحاد الأوروبي، لأول مرة، الدول الأعضاء على القيام باستثمارات مشتركة في الأسلحة والذخيرة. ونحن مستعدون للقيام بالمزيد. وتولت بولندا رئاسة الاتحاد الأوروبي في الأول من يناير الماضي، وجعلت الأمن على رأس أولوياتها.ومع استمرار الحرب في أوكرانيا على بعد مئات الأميال فقط من حدود الاتحاد الأوروبي، فإننا نهدف إلى قيادة أوروبا نحو مزيد من الصلابة وتعزيز التعاون عبر الأطلسي. ولطالما دفع ترامب حلفاءَ «الناتو» إلى إنفاق ما لا يقل عن 2% من ناتجهم المحلي الإجمالي على الدفاع. وقد تحولت كلماته إلى أفعال. ففي بداية ولايته الأولى، كانت خمس دول فقط تفي بهذه العتبة، وكانت بولندا من بينها.لكن في العام الماضي، أنفقت 23 دولة من أصل 32 في الحلف ما لا يقل عن 2%. والآن، تم رفع مستوى الإنفاق. فقد صرّح ترامب في يناير الماضي بأن أعضاء الحلف «يمكنهم جميعاً تحمل ذلك، لكن يجب أن يكون عند 5%، وليس 2%». ويُعد هذا الهدف طموحاً حتى بالنسبة للولايات المتحدة، حيث تبلغ ميزانية وزارة الدفاع حوالي 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي.لكن بالنظر إلى التهديدات الأمنية التي تواجهها الولايات المتحدة وأوروبا، فإن الطموح هو ما نحتاجه. تنفق بولندا ما يقرب من 5% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع – وهي أعلى نسبة في «الناتو». لقد أصبحنا أحد أهم عملاء الصناعة العسكرية الأميركية، حيث طلبنا معدات بعشرات المليارات منذ عام 2022. نحن نشتري أنظمة صواريخ باتريوت، ودبابات أبرامز، وطائرات هليكوبتر أباتشي، ومقاتلات F-35 المنتجة في أميركا. إن رغبة أوروبا وبولندا في تعزيز التعاون العسكري مع الولايات المتحدة وطموحها في تقوية صناعتها الدفاعية لا يتعارضان. لم يكن التحالف عبر الأطلسي يوماً طريقاً باتجاه واحد.فقد دعمت الولايات المتحدة الدفاع الأوروبي لعقود بعد الحرب العالمية الثانية، لكن المرة الوحيدة التي تم فيها تفعيل المادة 5 من ميثاق «الناتو» كانت رداً على أحداث 11 سبتمبر، عندما هبَّ الحلفاء لمساعدة أميركا. وأرسلت بولندا ألوية إلى أفغانستان والعراق، وأبقتها هناك لما يقرب من عقدين. ولم ترسل يوماً فاتورة مقابل ذلك. وفي عام 2025، هناك الكثيرون ممن لا يتمنون لنا الخير.فالمحور الاستبدادي الذي يضم دولاً معادية يمثل تهديداً خطيراً للعالَم بأسره. ولمواجهة مثل هذا التحالف، تحتاج أميركا وأوروبا إلى بعضهما بعضاً أكثر من أي وقت مضى. فخصومنا لا يتمنون شيئاً أكثر من أن يرونا منقسمين، ومشتتين في نزاعات اقتصادية، وغير قادرين على القيادة. وبدلاً من ذلك، دعونا نواصل مسيرة الشراكة، ومسار السلام عبر القوة، كأصدقاء وحلفاء.


