القاهرة – كريم يحيى:
بدأ العمل في سد النهضة في عام 2011، وتم تمويل المشروع بالكامل من قبل الحكومة الإثيوبية بتكلفة تقديرية تتراوح بين 4.2 و4.8 مليار دولار. يتألف السد من 15 وحدة كهربائية، بقدرة إجمالية تبلغ 5225 ميغاواط، على الرغم من أن بعض المصادر تشير إلى قدرة تزيد عن 5000 ميغاواط. يُصنع السد من الخرسانة المضغوطة، ويبلغ عرضه حوالي 1800 متر وارتفاعه يتراوح بين 70 و175 مترًا حسب أجزائه.تبلغ السعة التخزينية لخزان السد ما بين 11.1 و24.3 مليار متر مكعب في الدراسات العلمية، بينما تشير بعض التقديرات إلى سعة أكبر تصل إلى 63 أو 74 مليار متر مكعب. من المتوقع أن يستغرق اكتمال ملء الخزان ما بين 5 إلى 15 عامًا، اعتمادًا على الظروف الهيدرولوجية والاتفاقيات الإقليمية.يُعد سد النهضة الإثيوبي الكبير (GERD)، المعروف أيضًا بـ “سد الألفية”، مشروعًا هندسيًا ضخمًا يقع على النيل الأزرق في إقليم بنيشنقول-قماز بإثيوبيا، على بعد حوالي 15-40 كيلومترًا من الحدود الإثيوبية السودانية. منذ أن بدأ بناء السد في عام 2011، أصبح محورًا لاهتمام إقليمي ودولي واسع، نظرًا لتداعياته المحتملة على موارد المياه واستقرار المنطقة. يثير السد مخاوف عميقة لدى دولتي المصب، مصر والسودان، بشأن تأثيره على حصتيهما من مياه النيل، مما أدى إلى عقود من المفاوضات المتوترة دون التوصل لاتفاق شامل.كما أثار بناء سد النهضة منذ البداية توترات إقليمية حادة، خاصة مع مصر والسودان، اللتين تعتمدان بشكل كبير على مياه النيل لتلبية احتياجاتهما الحيوية من الري والشرب. تخشى مصر من أن يؤثر ملء وتشغيل السد على حصتها التاريخية من مياه النيل، البالغة 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، مما قد يؤدي إلى نقص حاد في المياه وتداعيات كارثية على القطاع الزراعي والاقتصادي والاجتماعي. كما أن هناك مخاوف بشأن تأثير السد على إنتاج الكهرباء من السد العالي في مصر.بالنسبة للسودان، على الرغم من بعض الفوائد المحتملة مثل التحكم في الفيضانات وتخزين الطمي، إلا أن هناك أيضًا مخاوف جدية تتعلق بتأثير السد على تدفق المياه وحصته المائية، بالإضافة إلى التأثير المحتمل على سد الروصيرص السوداني.أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، يوم الخميس 3 يوليو 2025، عن اكتمال أعمال بناء سد النهضة الإثيوبي الكبير. وقد دعت إثيوبيا دولتي المصب، السودان ومصر، للمشاركة في حفل الافتتاح الرسمي الذي سيقام في سبتمبر المقبل. يمثل هذا الإعلان محطة فارقة في تاريخ المشروع، وقد أثار ردود فعل متباينة في المنطقة.على الرغم من إعلان الاكتمال، فإن الخلافات حول قواعد التشغيل والملء لم تُحل بعد، مما يجعل مستقبل مياه النيل واستقرار المنطقة محاطًا بعدم اليقين. ترى بعض التقارير أن هذه الأزمة تتجاوز الجوانب الفنية لتشمل أبعادًا سياسية وأيديولوجية وتنافسية إقليمية، خاصة بين مصر وإثيوبيا.تتجاوز أزمة سد النهضة الجوانب الفنية والتقنية لتصبح قضية جيوسياسية معقدة. وقد دعت بعض الجهات الدولية، بما في ذلك الولايات المتحدة، إلى اتخاذ مواقف أقوى لضمان الاستقرار ومنع نشوب صراع مسلح. تكمن التحديات في إيجاد صيغة اتفاق توازن بين حق إثيوبيا في التنمية واحتياجات دول المصب الحيوية للمياه.طُرحت مقترحات لحل الأزمة من خلال توفير بيانات علمية دقيقة عن الآثار البيئية للسد، وتعديل آلية ملء الخزان تدريجيًا، وتفعيل دور الاتحاد الأفريقي في تسوية النزاع. ولكن تطبيق هذه الحلول يعتمد على الإرادة السياسية للأطراف المعنية وقدرتها على التوصل إلى تفاهمات مشتركة تضمن مصالح الجميع واستدامة موارد النيل.يظل سد النهضة الإثيوبي مشروعًا ذا أبعاد تنموية هائلة لإثيوبيا، لكنه في الوقت نفسه يشكل تحديًا جيوسياسيًا ومائيًا كبيرًا لدولتي المصب، مصر والسودان. على الرغم من إعلان إثيوبيا عن اكتمال بناء السد، فإن غياب اتفاق ملزم حول قواعد التشغيل والملء يجعل مستقبل مياه النيل رهينًا للمفاوضات المستمرة. يبقى الأمل معقودًا على قدرة الأطراف المعنية على إيجاد حلول دبلوماسية تضمن مصالح جميع الدول، وتحقق التوازن بين التنمية والاستدامة المائية في حوض النيل، بما يعزز الاستقرار والتعاون الإقليمي.


