القاهرة – مي عبده:
في مشهد مسرحي عربي يئن تحت وطأة التحوّلات الاجتماعية والاقتصادية، يبرز اسم المخرج والفنان المسرحي الكبير ناصر عبدالحفيظ كأحد الأصوات النادرة التي اختارت أن تسير عكس التيار، وأن تؤسس لمشروع مسرحي مستقل يراهن على وعي الجمهور وقدرته على التفاعل مع العروض الجادة ذات البُعد الإنساني والفني في آنٍ واحد.
من موقعه كباحث سابق في المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، ومستشار إعلامي لعدد من الهيئات الثقافية والفنية، إلى كونه مؤلفًا ومخرجًا وممثلًا حصد الجوائز وحقق حضورًا عربيًا لافتًا، استطاع ناصر عبدالحفيظ أن يخطّ تجربة فنية متفردة، خاصة من خلال مشروعه “المسرح الثري” الذي كسر قواعد الديكور والاعتماد على الإبهار البصري، ليُعيد البوصلة إلى جوهر المسرح الحقيقي: الإنسان.

ولم يكن هذا المشروع ليرى النور أو يحقق نجاحاته المتتالية دون الجهود الجبارة التي قدّمها أعضاء فرقته المسرحية الأساسيين، الذين شكّلوا بموهبتهم والتزامهم وعطائهم الفني أعمدة راسخة لهذا الكيان الإبداعي.
يضم الفريق كوكبة من الأسماء المميزة، من بينهم:الفنان القدير أحمد رحومة، والفنان القدير محمد عزت، والفنانة الشابة والمطربة فريدة حماد، والفنان الشاب إسلام ماكي، إلى جانب الفنانين: ميادة يحيى، دينا أحمد، فاطمة صلاح، ولمياء العبد، الذين أثروا العروض بحضورهم وأدائهم المتميز.

كما كان للدور الفني والإداري دعائم لا غنى عنها، مثل المخرج المنفذ أسماء عفيفي، والمخرج المساعد نيفين خلة، ومسؤولة السوشيال ميديا جني، الذين عملوا في تناغم تام خلف الكواليس لضمان تقديم تجربة مسرحية متكاملة.
في هذا الحوار، نغوص مع د. ناصر عبدالحفيظ في تفاصيل تجربته، ونتعرف على رؤيته لكتابة المسرح من داخل خشبته، كما نتوقف عند مفاهيمه الفنية، وقراءته للمشهد المسرحي العربي، وطموحاته القادمة.
المسرح له طقوس خاصة… ما الذي يعنيه لك المسرح مقارنة بالسينما والتليفزيون؟
إطلاق لقب “أبو الفنون” على المسرح لم يأتِ من فراغ، فله سحر خاص وروح متفردة تميّزه عن السينما والتليفزيون.
في حين تحتاج الدراما التليفزيونية والسينما إلى أدوات تجميل وتقنيات متعددة قبل أن تظهر للنور، فإن المسرح يعتمد على اللحظة الحية، حيث يواجه الفنان جمهوره وجهًا لوجه. هذه المواجهة المباشرة مليئة بالطاقة والصدق، وهي رغم تعقيدها، تمنح الممثل متعة وبهجة لا تضاهى.

قدمت عروضًا مسرحية ناجحة جدًا مثل “وجوه”.. ما الذي يجعل هذا العمل مختلفًا في تجربتك؟
عرض “وجوه” كان بداية نقلة نوعية في مسيرتي، وفتح الباب نحو تطوير مشروع “المسرح الثري”.
بعد ثلاثية “متجوزين واللا..!؟” و”الجوازة باظت” و”ميسد كول بالعربي”، بدأنا كفرقة في اكتشاف أرض جديدة للمسرح المصري. اعتمدنا على تقنيات بسيطة وابتعدنا عن الديكور التقليدي، مما أتاح لنا التركيز على أداء الممثل وروح النص. نجاح العرض في دول عربية مثل الجزائر وتونس والعراق، وقبلها في مصر، أكد أننا على الطريق الصحيح.
ما رأيك في حال المسرح المصري اليوم؟ وهل ترى أن الجمهور لا يزال مهتمًا بالمسرح؟ا
لمسرح المصري اليوم يفتقد روح القطاع الخاص التي ازدهرت في الستينيات وما بعدها.
غياب نجوم كبار مثل سمير غانم، فؤاد المهندس، ومدبولي، وتوقف عمالقة مثل عادل إمام، أدى إلى فراغ كبير.
كما أن تجارب مثل “مسرح مصر” لم تستمر، ولم يُتح المجال لخلق جيل جديد. اليوم، نحن بحاجة ماسة إلى دعم المسرح المستقل والخاص بتسهيلات حقيقية، كما تفعل دول شقيقة مثل السعودية التي أصبحت وجهة مسرحية بامتياز. إنقاذ المسرح المصري لن يتم إلا بأفكار غير تقليدية تدعم الفرق المستقلة التي لا تزال قادرة على الإبهار رغم كل التحديات.

هل تفكر في خوض تجربة الإخراج أو الكتابة؟
الكتابة والإخراج هما شغف ومتعة، لكنهما أيضًا مسؤولية مرهقة.
قيادة فرقة مسرحية ليست مهمة سهلة، فهي تتطلب الكثير من الجهد، خاصة مع فنانين يمتلكون طاقات كبيرة.
مررنا في الفرقة بتجارب صعبة ومحن كثيرة، لكننا تعلمنا منها واستطعنا تجاوزها لنحقق نجاحات محلية وعربية. أستمتع الآن بالإخراج والتأليف، وأعتبرهما جزءًا من مسؤولياتي تجاه المشروع المسرحي الذي نؤمن به كفرقة.
ما الذي يفعله د. ناصر عبدالحفيظ حين يبتعد عن الأضواء؟
في الحقيقة، لا يوجد ابتعاد عن الأضواء.
نحن دائمًا في حالة سعي وبحث،
ونعمل على تقديم عروضنا بشكل مستمر. نمتلك الآن خماسية مسرحية تشمل: “وجوه”، “متجوزين واللا..!؟”، “الجوازة باظت”، “بليغ والست”، و”الست”.

بدأنا جولة في محافظة القاهرة وسنواصل التنقل بين المحافظات. المسرح بالنسبة لي ليس مجرد عمل، بل حياة متواصلة لا تنقطع.
ما هي أكثر مسرحية قريبة إلى قلبك؟
كل عمل مسرحي قدمته يمثل جزءًا من روحي وعمري، حتى تلك العروض التي لم تحقّق صدى واسعًا.
أقدّرها وأحترمها، لأنها كانت بمثابة دروس وتجارب حقيقية. كما أعتز بكل فنان وفنانة عملت معهم وشاركوني هذه الرحلة، فكل لحظة قضيتها معهم لها قيمة لا تقدر بثمن.
هل هناك عمل ندمت على تقديمه أو تمنيت تغييره بعد عرضه؟
لا مكان للندم في قاموسي. أؤمن أن كل تجربة، سواء نجحت أو لم تحقق المرجو، تحمل دروسًا ثمينة. الفشل أحيانًا يعلمنا أكثر من النجاح، وأنا دائمًا أتعامل مع إخفاقاتي كخطوات نحو الأفضل، لا كعقبات.



