الأسئلة الثلاثة الكبرى حول الحياة – ما هي الحياة؟ كيف نشأت؟ وهل هناك حياة خارج الأرض؟ (هل نحن وحدنا؟) – هي السبب الرئيسي وراء استكشاف الفضاء. فالحياة هي دافعنا للاستكشاف. ومع ذلك، وعلى الرغم من الاستكشاف المستمر طوال التاريخ البشري، لم نعثر سوى على مثال واحد للحياة (على الأرض)، ولا نعرف كيف نشأت. لا يزال الغموض يكتنف الطريقة التي تحولت بها الكيمياء إلى علم الأحياء– أي كيف اجتمعت جزيئات الكون لتُكون الحياة. ولا نعرف حتى ما إذا كانت الحياة نتيجة حتمية للعمليات الكيميائية والفيزيائية في كوننا، أم مجرد مصادفة رياضية نادرة من الطبيعة، نادرة الحدوث – إنْ تكررت أصلاً.ربما يكمن الجواب في أحد أنابيب الاختبار الموجودة حالياً على سطح المريخ، التي جمعتها وكالة ناسا وتنتظر التحليل (وهو انتظار أبدي بلا جدوى). وكأن هذه العينات المريخية التي جمعتها «ناسا»، كحال شخصيات مسرحية صموئيل بيكيت «في انتظار جودو»، محكوم عليها بالانتظار الأبدي بلا جدوى، وذلك بسبب قرار إدارة ترامب بعدم استعادتها إلى الأرض.تم جمع هذه العينات بوساطة مركبة «بيرسيفيرانس» (Perseverance)، والتي تقوم باستكشاف مواقع يُحتمل أنها كانت صالحة للحياة على المريخ منذ أكثر من أربع سنوات. وكان المخطط أن تقوم بعثة أميركية-أوروبية بجمع هذه العينات في أوائل ثلاثينيات القرن الحادي والعشرين، وإعادتها إلى الأرض لتحليلها بشكل مفصل. لكن إدارة ترامب تقترح إلغاء هذه المهمة التي تهدف إلى استرجاع العينات- وفي الوقت نفسه، تخصيص مليار دولار إضافي لخطة إرسال بشر إلى المريخ.أي خطة من هذا النوع لا تزال بعيدة عقوداً عن التنفيذ. وستتطلب وضع مفاعل نووي على المريخ، إضافة إلى منشآت دفع، واستخراج للمياه، وإنتاج للأوكسجين. كما سيتوجب أيضاً حل مسألة كيفية بقاء البشر على قيد الحياة خلال الرحلة التي تستغرق ثلاث سنوات ذهاباً وإياباً، في بيئة مليئة بالإشعاعات والمواد السامة. أما استرجاع العينات، فيُعد أقل تكلفة بما لا يقل عن عشر مرات من أي بعثة بشرية محتملة إلى المريخ.وبالطبع، لا نعرف ما إذا كانت أي من العينات التي يزيد عددها على عشرين، والتي جمعتها بيرسيفيرانس، ستُظهر أدلة على وجود حياة. فالأمر سيتطلب استخدام مجاهر إلكترونية، ومسرّعات جسيمات، ومطيافات متعددة الأطوال الموجية، ومئات من التجارب الكيميائية. لكن هذه العينات قد تم اختيارها بعناية من مناطق يُعتقد أنها كانت صالحة للحياة. واحدة منها على الأقل – تُعرف باسم «شيافا فولز» (Cheyava Falls) – تُظهر مؤشرات قوية على وجود حياة ميكروبية في الماضي، بما في ذلك مادة عضوية، و«بقع النمر» التي تحتوي على الحديد والفوسفات، وكبريتات الكالسيوم، والتي قد تكون دليلاً على وجود الماء. ومع ذلك، تبقى هذه مؤشرات، لا أدلة قاطعة.لكن التحليل في مختبرات الأرض، باستخدام أدوات عالية الدقة، هو ما يمكنه أن يحسم هذه المؤشرات. وبقدر ما سيكون اكتشاف حياة خارج الأرض على كوكب مجارر لكوكبنا أمراً مذهلاً، فإن ما سنربحه من فهمنا لكيفية نشوء الحياة على الأرض قد يكون أكثر أهمية.نعلم أن الحياة ظهرت على الأرض بعد فترة وجيزة من تشكّلها – لكننا لا نعرف كيف. قد تكون لها أصل مشترك مع حياة على عوالم أخرى، أو قد تكون فريدة من نوعها على الأرض. هذه العينات يمكن أن تساعدنا في اكتشاف ذلك. وقد تؤدي الإجابات إلى تطورات هائلة في مجالات مثل الروبوتات، والذكاء الاصطناعي، والاتصالات، وتصنيع المواد، والبيولوجيا التركيبية، والكيمياء، وغيرها الكثير.ولهذا السبب بالذات تسعى الصين والهند واليابان وأوروبا إلى تحقيق الأهداف نفسها. فالصين تخطّط لإرسال بعثة لاسترجاع عينات من المريخ في عام 2028، والهند في ثلاثينيات هذا القرن، واليابان تستعد لإرسال بعثة إلى قمر المريخ «فوبوس». بعثة ناسا تعمل بالتعاون مع وكالة الفضاء الأوروبية. ولا يُعرف بعد كيف ستكون ردة فعل الأوروبيين على انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقيات التعاون المريخي – أو ما إذا كان بإمكان الأوروبيين، أو بإمكان أي دولة أخرى، أن تفعل شيئاً بشأن العينات التي تم جمعها. وإذا انسحبنا، فإننا لا نترك المجال لغيرنا فحسب، بل نهدر سنوات من الجهد وتكاليف الاستثمار في بعثات المريخ. ونُهمل بذلك ريادة أميركا العلمية في استكشاف العوالم الأخرى.«هل نحن وحدنا في الكون؟» هو السؤال الذي نطرحه بشأن الحياة. أما على الأرض، فقد نطرح السؤال بصيغة أخرى: هل نحن وحدنا بين الدول الفضائية في التراجع عن مشروع واعد في اللحظة الحاسمة؟ ماذا سيقول التاريخ عنّا إذا كنّا قد جمعنا دليلاً محتملاً على وجود حياة خارج كوكب الأرض، ثم تركناه ليتلاشى وسط غبار المريخ؟


