من المرجح أن يتبع صعود الذكاء الاصطناعي نمطاً مألوفاً في التاريخ الأميركي: فالمبتكرات التكنولوجية غالباً ما تثير القلق في البداية، وبصفة خاصة فيما يتعلق بالمخاوف من فقدان الوظائف والتأثيرات الاجتماعية السلبية، ثم تُطلِق موجاتٍ من الإنتاجية والإبداع وريادة الأعمال والثروة. لكن لا تتوقعوا أن يكون الذكاء الاصطناعي مجرد موجة صغيرة جديدة، إذ يبدو أنه على وشك إشعال ثورة ريادية غير مسبوقة، ولن تكون حكراً على قلة من شركات وادي السيليكون الناشئة.ويكمن السبب فيما هو جديد بشأن الذكاء الاصطناعي: فهو ابتكار تكنولوجي متقدم يتمتع بقدرة على إضفاء الطابع الديمقراطي على ريادة الأعمال في مجال التكنولوجيا بطرق لم تستطع أي من الثورات التكنولوجية السابقة، حتى ثورة الإنترنت في أواخر التسعينيات، تحقيقَها. ورغم أن روح المبادرة كانت على الدوام جزءاً أساسياً من الهوية الأميركية، فقد ظل تأسيس شركة تكنولوجية أمراً بعيد المنال بالنسبة لمعظم الناس. فبينما يرغب 62% من الأميركيين في أن يصبحوا رواد أعمال، لا يخطو سوى 9% هذه الخطوة. لقد كانت العوائق، مثل التعقيد التقني والحاجة لرأس مال مقدم وعدم اليقين الاقتصادي والخوف من الفشل.. إلخ، أكبر من أن يتمكن معظمهم من تجاوزها.لكن الذكاء الاصطناعي يزيل هذه العوائق، وقد يمكّن ملايين الأميركيين العاديين من إنشاء أعمال مستدامة من خلال الاستفادة من هذه التكنولوجيا الجديدة وتسخير خبراتهم البشرية وإبداعهم. إنه أداة قوية يجب تبنيها لا الخوف منها، لأنها تعيد تشكيلَ ريادة الأعمال الصغيرة بثلاث طرق رئيسية:أولاً: يزيل الذكاء الاصطناعي الفجوة التقنية.لطالما تركز بناء التكنولوجيا والشركات الناشئة والاستثمار فيها في المدن الساحلية، ويحتاج لمهارات برمجة متخصصة حرمت معظم الأميركيين من المشاركة. لكن اليوم، أصبح بإمكان أشخاص لديهم معرفة متخصصة، لكن بلا خلفية تقنية، أن ينشئوا أعمالاً قائمة على الذكاء الاصطناعي تعكس شغفهم وتلبي احتياجات مجتمعاتهم. لقد رأينا ممرضة متخصصة في التغذية تطوّر برامج رفاهية شخصية على نطاق واسع. وفي الشراكة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، الأهم هو الخبرة البشرية ورأس مال العلاقات لا المهارة التقنية.رواد الأعمال الذين سينجحون في المستقبل المدعوم بالذكاء الاصطناعي هم أولئك الذين يستخدمون التكنولوجيا لتعزيز الاتصال الإنساني، لا استبداله. ثانياً: الذكاء الاصطناعي يسرّع بشكل كبير اختبارَ الأعمال والتحقق من السوق. أكبر مخاطرة يواجهها رواد الأعمال هي استثمار الوقت والمال في أفكار دون معرفة ما إذا كان العملاء سيتفاعلون معها. تمكّن أدوات الذكاء الاصطناعي من إجراء تجارب سريعة، مما يسمح بصقل الأفكار بناءً على آراء العملاء الحقيقية في أيام بدلاً من أشهر أو سنوات. هذه السرعة تقلل التكاليفَ المالية والعاطفية لريادة الأعمال.ثالثاً: الذكاء الاصطناعي يزيل الحواجز الأخيرة أمام التواصل العالمي، أي الحواجز التي لم يتمكن الإنترنت من إزالتها بالكامل. فمن خلال الترجمة الفورية يزيل حواجزَ اللغة، كما يُتيح وكلاء الدردشة على مدار الساعة لرواد الأعمال فرصةً للقيام بأهم أعمالهم وأكثرها إبداعاً.هذا الوصول العالمي يمكّن حتى الأعمال شديدة التخصص من التواصل مع ما يكفي من العملاء حول العالم لتحقيق الاستدامة، ويحول الأفكار المتخصصة التي كانت غير مجدية سابقاً إلى مشاريع مزدهرة. تخيّل خبيرَ خدمات أشجار يستخدم خبرته الطويلة في إعداد عروض الأسعار للعملاء لإنشاء خدمة ذكاء اصطناعي يمكن لعمال التشذيب حول العالم استخدامَها لتبسيط أعمالهم، بينما يتولى الذكاء الاصطناعي تكييفَ الخدمة مع الاختلافات اللغوية والبيئية، ويجعل معرفةَ الخبير قابلةً للتصدير.وبفضل هذه المزايا، لن تكون التحولات التي يقدمها الذكاء الاصطناعي للأميركيين مجردَ إنشاء عدد قليل من الشركات الناشئة بمليارات الدولارات، بل لديه القدرة على خلق ملايين الأعمال التي تدر مليون دولار، وهو نوع جديد موزع من ريادة الأعمال حيث يُقاس النجاح بالدخل المستدام والعمل الهادف، لا فقط بالنمو المفرط ورأس المال الاستثماري. هذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي لا يطرح تحديات ملحة، فهو بلا شك تكنولوجيا شديدة الاضطراب.صحيح أنه سيقضي على وظائف، لكن ذلك سيحدث على أي حال. والخطر الأكبر هو أن تتركز فوائده في الخارج أو في دول أخرى. يجب على الولايات المتحدة اغتنام هذه اللحظة من خلال ضمان وصول أدوات الذكاء الاصطناعي للجميع. وهذا يعني الاستثمار في التعليم الذي يجمع بين الثقافة الرقمية في مجال الذكاء الاصطناعي والتفكير الريادي، ووضع أطر سياسات داعمة تشجع على التجربة.تُعد الأوامر التنفيذية الأخيرة للبيت الأبيض خطوات في الاتجاه الصحيح. فقد تحول الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس دونالد ترامب في يناير بعنوان «إزالة الحواجز أمام الريادة الأميركية في مجال الذكاء الاصطناعي» إلى خريطة طريق شاملة بعنوان «الفوز في سباق الذكاء الاصطناعي: خطة العمل الأميركية في مجال الذكاء الاصطناعي»، والتي أُطلقت الأسبوع الماضي.وتتضمن الخطة أكثر من 90 إجراءً فيدرالياً يركز على تسريع الابتكار، وبناء بنية تحتية للذكاء الاصطناعي، والريادة في الدبلوماسية الدولية. والأهم أنها تشمل بنوداً لإزالة العوائق التنظيمية التي تعرقل تطويرَ الذكاء الاصطناعي وتعزيز التوسع السريع لمراكز البيانات، وهو بالضبط نوع الدعم الذي يحتاجه رواد الأعمال العاديون للوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي. والسؤال ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير اقتصادَنا، بل كيف يمكننا ضمان أن يستفيد أكبر عدد ممكن من الناس من هذا التغيير، ومدى سرعتنا في قيادة العالم.


