القاهرة – نهاد شعبان:
في كل شبر داخل مصر، سواء كنت تسير في شارع جانبي أو رئيسي ستجد بجانبك كلاب ضالة تجوب الشوارع كجزء من المشهد حولك، هناك من يتعاطف معهم ويقدم لهم الطعام والشراب، وهناك من يرى أنهم يشكلون خطرًا على المجتمع – خاصة مع زيادة حالات عقر الكلاب للمواطنين ولاسيما الأطفال- وينادون بالتخلص منهم، وما بين الرحمة والخوف، تظل مشكلة كلاب الشوارع في مصر واحدة من القضايا التي تثير جدلا كبيرًا في المجتمع. تشكّل الكلاب الضالة وجودًا يوميًا على شوارع مصر، حيث يقدر عددها ما بين 15 إلى 30 مليون كلب، حسب تقديرات متباينة من منظمات المجتمع مدني والهيئات المعنية، كما تشير تقارير وزارة الصحة إلى تسجيل أكثر من 1.36 مليون حالة عقر خلال أربع سنوات، بمتوسط سنوي يقارب 370 ألف حالة، سجّل عام 2017 فقط حوالي 398 ألف حالة عقر.
وفي أحدث البيانات، صرّح نقيب الأطباء البيطريين بأن عدد البلاغات السنوية عن حالات عقر الكلاب الضالة تجاوز 500 ألف حالة، احتلت محافظة البحيرة المركز الأول في عدد الإصابات، بـ 39 ألف حالة عقر سنويًا، تليها الجيزة بـ 27 ألفًا، ثم الشرقية بـ 26 ألفًا، في حين سجلت القاهرة والمنوفية بالتساوي 23 ألفًا، والدقهلية والإسكندرية 21 ألفًا، وفي المنوفية، شهدت 29 ألف حالة عقر خلال تسعة أشهر فقط، وتم صرف أكثر من 92 ألف جرعة مصل للمصابين.أسباب التفاقمأزمة الكلاب الضالة ليست جديدة، لكنها تصاعدت نتيجة البنى التحتية الضعيفة لإدارة النفايات والتي تمنح الكلاب الضالة مصدرًا دائمًا للطعام، وتساعد في تكاثرها غير المحدود، من ناحية أخرى، يؤدي تفاقم الأزمات الاقتصادية إلى صعوبة استمرار العاملين في مجال رعاية وإنقاذ الحيوانات من ظروف الحرمان والإصابات.
أخطار صحية تردي الأوضاع الصحية للكلاب الضالة يسهم في تفشي الأمراض مثل داء الكلب وغيرها، إذ تبعُد حالات الإنسان المصاب بالمرض نحو آلاف، بينما تتوفى العشرات سنويًا جراء ذلك، كما يُهدّد تواجد المجموعات الضالة أحيانًا سلامة الجمهور، خاصة الأطفال وكبار السن.في المقابل، لا تزال ممارسات قمع الكلاب الضالة باستخدام السم أو القتل العشوائي للسيطرة على الأعداد قائمة رغم الانتقاد المجتمعي والحقوقي.
مبادرات تُغيّر الواقع
في تحوّل إيجابي، تمت الموافقة على مشروع قانون ينظم امتلاك الحيوانات الخطرة، ويضع ضوابط للتعامل مع الكلاب الضالة، بما في ذلك إنشاء ملاجئ وتوفير الرعاية الطبية لها، إلى جانب ذلك، نفّذت وزارة الزراعة حملات تطعيم وتوعية في أحياء مثل المعصرة والزيتون للقضاء على خطر داء الكلب، بالتعاون مع منظمات مجتمع مدني.الجهود الشعبية في ظل غياب الحلول الكاملة، أتت المبادرات الشعبية لتشكّل بارقة أمل، نيفين سلام، على سبيل المثال، تُواصل منذ عشر سنوات إطعام أكثر من مئة كلب ضال يوميًا في المعادي، رغم الظروف المالية الصعبة، مؤمنة بأن كل كلب لديه قصة تستحق أن يُعامل برفق .أما الجمعيات مثل APF وESMA، فقد لعبت دورًا فعّالًا في إنقاذ الكلاب، وتبنى بعضها، وأطلقت حملات التعقيم والتطعيم، مدفوعة بطاقات شبابية على شبكات التواصل ومحبة للحيوان حلول جذرية.
ولحل مشكلة الكلاب الضالة بطريقة مستدامة، لابد من إصدار قانون شامل لحقوق الحيوان، يفرّق بين السيطرة الصحية والتنظيمية والعلاجية، وأيضًا توظيف برنامج Trap–Neuter–Return “تعقيم وإعادة إطلاق” على نطاق واسع، لتحقيق نمو سكاني متوازن، وتعزيز الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني، لضمان موارد مالية واستمرارية للملاجئ والفرق التطوعية.إن قضية الكلاب الضالة في مصر ليست أزمة بلا وجه إنساني، بل فرصة لمراجعة العلاقة بين المجتمع والبيئة المحيطة، بمزيج من التشريع الرشيد، التحرك الشعبي، والتربة الإعلامية الفعّالة، يمكن للكلاب الضالة أن تتحول من عبء إلى قصة رعاية وإنسانية.


