حوار خاص| كيف أعاد “وزير الكشري” بناء إرث والده من الصفر؟ وكيف صمد أمام جنون الأسعار دفاعاً عن “أكلة الغلابة”؟
القاهرة – مصطفى المصري:
وزير الكشري: حكاية “نَفَس” يعيد كتابة مجد المهنة من جديد
في قلب المشهد الشعبي المصري، حيث تختلط رائحة الطماطم المتسبكة بصوت الملاعق المعدنية، لا يُعد الكشري مجرد وجبة، بل حكاية ممتدة من جيل إلى جيل.
وبين زحام البراجيل، يجلس شاب ثلاثيني لا يتحدث فقط عن مطعم، بل عن “رسالة” ورثها قبل أن يرث اسمًا.”وزير الكشري” ليس لقبًا عابرًا، بل عنوان رحلة طويلة بدأت من عربات متناثرة في شوارع رمسيس والوراق، حين كان والده “عم علي” أحد أعمدة المهنة، يدير ما يقرب من 24 عربة كشري، ويُطعم كبار الصنايعية قبل أن يصيروا أسماء لامعة.

وبين صعود وهبوط، وتعثر أعاد كل شيء إلى نقطة الصفر، قرر الابن أن يعيد بناء الحلم… لكن هذه المرة بروح جديدة، وفلسفة مختلفة، وشغف لا يقبل أنصاف الحلول.
في هذا الحوار، نغوص في كواليس “الصنعة”، ونقترب من أسرار “الصلصة”، ونفكك معادلة الصمود في وجه الغلاء، لنكتشف كيف يمكن لوجبة بسيطة أن تتحول إلى مشروع حياة كامل.

س: دعنا نبدأ من الجذور الأولى… كيف تشكل وعيك داخل عالم الكشري؟ وماذا تتذكر من أيام والدك وعرباته التي كانت تملأ الشوارع؟ وكيف كانت تفاصيل العمل داخل مطبخ رمسيس في ذلك الوقت؟
“أنا حرفيًا اتولدت لقيت نفسي جوه الحلة… المهنة دي مش شغلانة بنتعلمها، دي بتتزرع جوانا من وإحنا صغيرين. وأنا طفل، كنت بشوف والدي وهو بيتعامل مع الكشري كأنه بيصنع حاجة كبيرة مش مجرد أكل.
24 عربة كشري كانوا شغالين تحت إيده، وده رقم كبير جدًا في الوقت ده، وكان هو اللي بيسوّي الشغل لكبار الصنايعية.
مطبخ رمسيس بالنسبة لي كان زي المدرسة الحقيقية، كنت بشوف فيه كل حاجة: تعب، التزام، وأمانة في الشغل. كنا بنبيع الشغل بالكيلو، واسم (أبو علاء) كان معروف، والناس كانت بتيجي مخصوص عشان تاخد من عندنا. الذكريات دي هي اللي صنعتني، وهي اللي خلت عندي إحساس إن المهنة دي ليها قيمة ولازم نحافظ عليها.”
—س: كيف أثرت تلك المرحلة الصعبة عليكم كعائلة؟ وهل شعرت وقتها أن الحلم انتهى؟ أم كان داخلك يقين بالعودة؟”
الفترة دي كانت اختبار حقيقي، مش بس في الشغل لكن في النفسية كمان. إنك تشوف نجاح كبير وبعدين فجأة كل حاجة تقف، ده إحساس صعب جدًا.
لكن الغريب إن الإحساس ده عمره ما قتل فيّ الأمل، بالعكس… كان دايمًا جوايا صوت بيقول إن اللي بدأ صح لازم يرجع تاني.
يمكن الظروف وقتها كانت أقوى، لكن الفكرة نفسها ما ماتتش. كنت شايف إن اللي اتبنى على تعب سنين مينفعش يختفي بسهولة، وكنت مؤمن إن الرجوع هيحصل، بس محتاج صبر وتعب أكتر من الأول.”
—س: عملت بعد ذلك كـ”صنايعي” رغم أنك ابن المهنة… ماذا تعلمت من هذه التجربة؟ وكيف صقلت شخصيتك المهنية؟”
أنا شايف إن الشغل بإيدك هو اللي بيخليك تفهم المهنة بجد. كوني اشتغلت صنايعي خلاني أعيش كل تفصيلة، من أول تجهيز الأكل لحد ما يوصل للزبون.
اتعلمت إن مفيش حاجة اسمها شغل صغير، وإن كل خطوة ليها تأثير على النتيجة النهائية. كمان اتعلمت أتعامل مع ضغوط الشغل، ومع الزباين، ومع اختلاف الأذواق.
التجربة دي كسرت عندي فكرة إن ابن المهنة لازم يبدأ من فوق، بالعكس… أنا بدأت من تحت، وده اللي خلاني لما أجي أبني حاجة لنفسي أبقى فاهم كل تفصيلة فيها.”
—س: هل كانت هناك لحظة محددة شعرت فيها أنك لم تعد مجرد عامل… بل صاحب مشروع في طريقه للتشكل؟ ماذا حدث في 2020 تحديدًا؟
“في 2020 كان في نقطة تحول حقيقية. بعد ما خلصت دراستي، حسيت إن الوقت خلاص جه إني أتحمل المسؤولية كاملة. القرار ما كانش سهل، لأنك بتسيب الأمان وتدخل على مغامرة، لكن كنت مقتنع إن لو ما خدتش الخطوة دي مش هتتكرر.
بدأت بإمكانيات بسيطة جدًا، لكن كان عندي إصرار كبير إني أنجح. اشتغلت في أكتر من مكان، وجربت، وغلطت، واتعلمت… ومع الوقت بدأت النتائج تظهر، وبدأت أحس إن المشروع ده مش مجرد تجربة، ده بداية طريق كامل.”
—س: لماذا فكرت في إنشاء “براند” وليس مجرد مطعم؟ وكيف جاءت فكرة اسم “وزير الكشري” تحديدًا؟ وهل واجهت صعوبات في تسجيله؟
“أنا كنت شايف إن السوق مليان محلات كشري، لكن قليل اللي عنده هوية. ففكرت ليه ما يكونش عندي اسم يعيش ويكبر؟
اسم (وزير الكشري) جه لأنه مميز وسهل الحفظ، وفي نفس الوقت فيه قوة. اشتغلت على تسجيله قبل الافتتاح بسنة كاملة، وده كان قرار مهم جدًا لأنه حماني بعد كده من التقليد. فعلاً في ناس حاولت تستخدم نفس الاسم أو أسماء قريبة، لكن وجود علامة مسجلة خلاني أتحرك قانونيًا. أنا مش عايز أبقى مجرد محل… أنا عايز أبقى كيان.”
—س: دعنا ندخل إلى قلب المهنة… لماذا تصر أن الصلصة هي كل شيء؟ وما الذي يميز طريقتك عن غيرك؟
“لأن ببساطة الصلصة هي الروح. ممكن أي حد يعمل أرز ومكرونة وعدس، لكن مش أي حد يعرف يعمل صلصة تخلّي الزبون يرجع لك تاني. أنا شايف إن أكبر غلطة هي الاعتماد على وصفة ثابتة، لأن المكونات نفسها بتتغير. أنا بتعامل مع كل يوم كأنه تجربة جديدة، بشوف الطماطم شكلها إيه وطعمها إيه، وبناءً عليه أقرر أعمل إيه. ده اللي بيدي الطعم ثباته رغم إن المكونات بتتغير.”
—س: ماذا تقصد بأن “الطماطم كائن حي”؟
وكيف تتعامل مع اختلاف طعمها من موسم لآخر؟”يعني الطماطم مش حاجة ثابتة، كل شحنة ليها طبيعتها. ممكن تبقى حلوة وممكن تبقى حدقة، ولو تعاملت معاها بنفس الطريقة كل مرة الطعم هيختلف. هنا بقى دور الصنايعي… لازم يفهم ويظبط. أوقات بزود سكر، أوقات بستخدم بنجر أو جزر، بس كل ده بحساب. الموضوع مش عشوائي، ده خبرة سنين بتقولك تعمل إيه وإمتى.”
—س: في ظل الارتفاع الجنوني للأسعار… كيف تمكنت من الاستمرار دون رفع السعر أو تقليل الجودة؟ وهل دفعت الثمن ماديًا؟
“بصراحة، دفعت الثمن فعلًا. في شهور كنت بشتغل بخسارة، بس كنت شايف إن الزبون مش مسؤول عن اللي بيحصل في السوق. الكشري أكلة بسيطة، ولو غليت عليه، أنا كده بقطع عليه الحاجة الوحيدة اللي بيقدر ياكلها برا. فاخترت إني أستحمل، وأكمل بنفس الجودة، لأن في الآخر ده اللي هيخلّي الزبون يفضل معايا.”
—س: ماذا عن المواد الحافظة؟ ولماذا رفضتها رغم أنها توفر وقتًا ومجهودًا؟”
لأنها بتغير طبيعة الأكل. الكشري لازم يتعمل ويتاكل فريش، وده جزء من طعمه. أنا مش مستعد أضحي بالجودة عشان أريح نفسي. غير كده، أنا باكل من نفس الأكل اللي بقدمه، فمينفعش أقدم حاجة أنا مش مقتنع بيها.”
—س: كيف تتعامل مع الزبائن الصعبين؟ وما فلسفتك في كسب رضاهم؟
“الموضوع محتاج صبر كبير. في زبون ممكن يكون متضايق أو حتى بيبالغ، لكن أنا شايف إن دوري أحتويه مش أجادله. لأن في الآخر الزبون ده لو مشي زعلان، ممكن يأثر على سمعتي. فالأفضل أعدي الموقف بهدوء وأكسبه على المدى الطويل.”
—س: إلى أين يتجه طموحك؟ وهل ترى “وزير الكشري” خارج مصر قريبًا؟
“أنا شايف إن البداية لسه. نفسي أكون موجود في كل مصر، وبعد كده نطلع بره. عندي حلم قوي إني أشوف البراند في الخليج، خصوصًا الإمارات والسعودية. الكشري المصري ليه مكانة كبيرة، ولو اتقدم بشكل صح، يقدر ينافس أي حاجة.”
س: في جملة واحدة… ما السر الحقيقي للنجاح؟
“اللقمة الحلوة بتنادي أصحابها.”




























