القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
لم يكن صباح الإسكندرية أول أمس مختلفًا عن أي يوم صيفي عادي؛ شمس مشرقة، شاطئ يعج بالزائرين، وأصوات ضحكات تختلط بالموج. لكن دقائق قليلة كانت كفيلة بتحويل البهجة إلى مأساة دامية، بعدما التهم البحر ست فتيات من رحلة شبابية جاءت إلى شاطئ أبو تلات بحثًا عن المتعة والذكريات.بحسب شهود عيان، ارتفع الموج بشكل مفاجئ، ورغم التحذيرات الواضحة من الغطاسين بعدم النزول في تلك المنطقة الخطرة، إلا أن بعض الفتيات اندفعن إلى المياه. لم تمضِ لحظات حتى بدأت الصرخات تعلو: فتاتان تتشبثان ببعضهما في محاولة يائسة للبقاء، ثم اندفعت رفيقاتهن لإنقاذهما، لكن بدلاً من النجاة، ابتلع البحر أربع ضحايا أخريات.
المشهد كان أشبه بملحمة مأساوية… أيادٍ ترتفع طلبًا للنجدة، ووجوه غارقة بين الموج، وقلوب تتحطم على الشاطئ.وعلى الفور، هرعت قوات الإنقاذ النهري والإسعاف إلى موقع الحادث. تم انتشال بعض الفتيات ونقلهن إلى المستشفى، حيث يرقد عدد منهن داخل الرعاية المركزة بعد أن ابتلعن كميات كبيرة من المياه، بينما لا تزال حالتهن الصحية تحت المتابعة الدقيقة. وفي الوقت نفسه، تم الإعلان عن إغلاق شاطئ أبو تلات بشكل رسمي أمام الجمهور، لحين استكمال التحقيقات والوقوف على أسباب استمرار تلك الكوارث في نفس الموقع.
المأساة لم تكن الأولى من نوعها. شاطئ أبو تلات، المعروف بخطورته، صار في السنوات الأخيرة شاهدًا على سلسلة طويلة من الغرق. ففي صيف 2022، شهد الشاطئ مصرع ثلاثة شباب في يوم واحد بعدما جرفهم التيار إلى الداخل، بينما في 2023 لقي طالبان جامعيان مصرعهما في نفس المنطقة رغم محاولات الإنقاذ المستميتة.

ورغم تكرار التحذيرات، يبدو أن هذه البقعة ما زالت تُمارس جاذبيتها القاتلة على الباحثين عن المتعة الرخيصة، لتتحول فجأة إلى فخ قاتل.الخبراء يؤكدون أن الشاطئ غير مؤهّل للسباحة من الأساس، لكونه منطقة غير مطورة تكثر فيها الدوامات البحرية والتيارات الخفية، وهو ما يجعل أي نزول إلى المياه مخاطرة كبرى.
ومع ذلك، يبقى السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: من المسؤول عن استمرار نزيف الأرواح في مكان باتت حكايات الغرق فيه تتكرر سنويًا؟هل هي مسؤولية الشباب الذين يتحدون التحذيرات؟ أم المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الأجهزة المحلية التي لم تضع لوحات كافية ولم تفرض رقابة صارمة على الشواطئ غير المجهزة؟ الحقيقة أن الأرواح البريئة لا تعرف مَن يُلام، لكنها تسقط ضحية كل صيف بين أمواج لا ترحم.اليوم، تقف الإسكندرية حزينة على رحيل ست فتيات في عمر الزهور، بينما البحر يظل محتفظًا بأسراره وغدره. ويبقى الدرس الأقسى أن شاطئ أبو تلات ليس مكانًا للهو أو اللعب، بل ساحة موت متكررة ما لم يتحرك الجميع – مسؤولين ومواطنين – لوقف نزيف الأرواح.


