القاهرة – نهاد شعبان:
تعد السمنة مجرد زيادة في الوزن أو مظهر خارجي يسبب الحرج، بل تحولت إلى أحد أخطر أمراض العصر، حتى أطلقت عليها منظمة الصحة العالمية وصف “الوباء العالمي”، إذ تشير الإحصاءات إلى أن معدلات السمنة في تزايد مستمر على مستوى العالم، لدرجة جعلتها ترتبط بشكل مباشر بارتفاع نسب الإصابة بأمراض مزمنة وخطيرة، يأتي على رأسها أمراض القلب والسكري والضغط والسرطان.
أخطار السمنة
السمنة هي تراكم مفرط للدهون في الجسم بشكل يضر بالصحة، ويُقاس ذلك عبر مؤشر كتلة الجسم الذي إذا تجاوز 30 يُعتبر مؤشرًا واضحًا على وجود سمنة، لكن خطورة السمنة لا تتوقف عند الرقم، فهي في الحقيقة بوابة لأمراض مميتة، فالمصاب بالسمنة معرض للإصابة بأمراض القلب بنسبة أكبر بكثير من الشخص العادي، كما أنها العامل الأول في ظهور مرض السكري من النوع الثاني، بالإضافة إلى مشاكل ضغط الدم، وآلام المفاصل، وبعض أنواع السرطان.
أمراض ترتبط بالسمنة
السمنة قد تؤدي إلى الإصابة بأمراض القلب والشرايين، فالدهون الزائدة تؤدي إلى تراكم الكوليسترول وانسداد الأوعية، ما يزيد خطر الجلطات والسكتات، ومرض السكري، فالسمنة تؤدي إلى مقاومة الأنسولين، وهي السبب الرئيسي لمرض السكري من النوع الثاني، أيضًا أمراض ضغط الدم، فالوزن الزائد يضاعف العبء على القلب، مما يسبب ارتفاع الضغط، بالإضافة لأمراض العظام والمفاصل، فالوزن الزائد يضغط على المفاصل، مسببًا التهابات مزمنة، وأخيرًا قد تتسبب السمنة المفرطة في الإصابة بالسرطان، فهناك أبحاث دولية أثبتت أن السمنة مرتبطة بأنواع عدة من السرطان، مثل القولون والثدي والرحم.
لماذا تنتشر السمنة بسرعة؟
خبراء التغذية يؤكدون أن السمنة ليست نتيجة سبب واحد، بل مجموعة عوامل متشابكة من بينها النظام الغذائي غير الصحي، منها لاعتماد على الأطعمة السريعة الغنية بالدهون والسكريات، أيضًا قلة الحركة والتي تعد من أنماط الحياة الحديثة المعتمدة على الجلوس أمام الشاشات، بالإضافة لعامل الوراثة، فالعوامل الجينية قد تزيد الاستعداد للإصابة، لكنها ليست العامل الوحيد، وأيضًا الضغوط النفسية وقلة النوم، فكلاهما يؤثر على هرمونات الشهية ويزيد من الرغبة في الأكل.
السمنة في العالم العربي
تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن دول الشرق الأوسط تحتل مراكز متقدمة عالميًا في معدلات السمنة، إذ يعاني أكثر من ثلث سكان المنطقة من الوزن الزائد، ويعود ذلك إلى تغير الأنماط الغذائية التقليدية الصحية إلى الاعتماد على الوجبات السريعة، إلى جانب غياب النشاط البدني، خاصة مع الاعتماد المتزايد على السيارات والتكنولوجيا في تفاصيل الحياة اليومية.
الوقاية.. كلمة السر
رغم خطورة السمنة وانتشارها، إلا أن الوقاية منها ليست أمرًا مستحيلًا، فالخبراء يوصون بخطوات عملية يمكن أن تقلل من خطر الإصابة بشكل كبير من بينها اتباع نظام غذائي صحي، عبر الإكثار من الخضراوات والفواكه، وتقليل استهلاك السكر والدهون المشبعة، أيضًا الحرص على النشاط البدني المنتظم مثل ممارسة الرياضة 30 دقيقة يوميًا على الأقل، واتباع رياضة المشي أو السباحة، بالإضافة إلى النوم الجيد، فالحصول على قسط كافٍ من النوم يساعد على تنظيم الشهية، ويجب عليك إدارة التوتر عبر ممارسة أنشطة ترفيهية أو رياضية بدلًا من الإفراط في الأكل بسبب الضغوط، كما يجب المتابعة الطبية الدورية لقياس الوزن ومؤشر كتلة الجسم والكشف المبكر عن أي مشكلات.
العلاج.. الملاذ الأخير
في بعض الحالات التي تتفاقم فيها السمنة، يلجأ الأطباء إلى أساليب علاجية مثل الأدوية التي تقلل الشهية أو تمنع امتصاص الدهون، والتدخلات الجراحية مثل تكميم المعدة أو تحويل المسار، لكن الخبراء يؤكدون أن هذه الحلول تظل ملاذًا أخيرًا، وأن الالتزام بنمط حياة صحي يظل هو الحل الأكثر فاعلية واستدامة.
الجانب الاقتصادي والاجتماعي
لا يقتصر أثر السمنة على صحة الأفراد فقط، بل يمتد إلى المجتمع ككل، فارتفاع معدلات الإصابة يرهق الأنظمة الصحية ويزيد الإنفاق على العلاج، فضلًا عن فقدان الإنتاجية نتيجة تغيب المرضى أو ضعف قدرتهم على العمل. لذا، فإن الوقاية من السمنة تُعد أيضًا استثمارًا اقتصاديًا يخفف من أعباء الدولة.
في النهاية السمنة لم تعد مجرد زيادة في الوزن، بل مرض العصر الذي يهدد حياة ملايين الأشخاص حول العالم، وهي أقصر طريق إلى الأمراض المزمنة، والوقاية منها تبدأ من تغيير العادات اليومية البسيطة من غذاء صحي، حركة، نوم منتظم، ووعي صحي، وكما يقول الأطباء كل كيلوجرام زائد اليوم قد يكون مرضًا مزمنًا غدًا، لذلك فإن الوقاية ليست خيارًا، بل ضرورة لحماية الفرد والمجتمع من هذا القاتل الصامت.



