dhl
dhl

من عروسة المولد إلى لابوبو.. رحلة الدمى بين التراث والموضة

القاهرة – نهاد شعبان:

منذ قديم الزمان ارتبطت الألعاب والدمى بالطفولة والخيال، لكنها لم تكن مجرد أدوات للتسلية، بل انعكاسًا لثقافة المجتمعات وقيمها، وفي مصر، شكلت “عروسة المولد” رمزًا تراثيًا حاضرًا في وجدان الأجيال، بينما تغزو الأسواق اليوم دمى جديدة مثل “لابوبو”، التي تحولت إلى موضة عصرية تثير الجدل بين الحماس والإقبال من جانب الأطفال والمراهقين، والانتقاد من جانب آخرين يرونها تقليعة استهلاكية، وبين التراث والموضة، تمتد رحلة الدمى كمرآة لتغير الزمن.

عروسة المولد.. دمية بطعم السكر

يرتبط المصريون منذ قرون بمولد النبي الشريف ومواسم الاحتفالات الشعبية التي يصاحبها ظهور “عروسة المولد” المصنوعة من السكر، يقابلها الحصان السكري الذي يُهدى للأطفال الذكور، كان شراء العروسة عادة أساسية تدخل البهجة على قلوب البنات، بينما يتباهى الأولاد بحصانهم الملون.

ورغم بساطتها، لم تكن العروسة مجرد قطعة حلوى، بل جزءًا من طقس اجتماعي وثقافي، حيث تجمع العائلة للاحتفال، وتحولت الدمية إلى رمز للفرح والبراءة، لكن مع تطور الزمن وتغير العادات الغذائية، تراجعت مكانة عروسة المولد تدريجيًا، فظهرت العرائس البلاستيكية المزخرفة بفساتين وألوان لامعة لتحل محل العروسة السكرية، التي صارت تُشترى في نطاق محدود بدافع الحنين إلى الماضي أكثر من ارتباطها بالطفولة المعاصرة.

باربي.. العالمية تدخل البيوت المصرية

في النصف الثاني من القرن العشرين، اقتحمت دمية “باربي” الأمريكية بيوت المصريين كرمز للأناقة والموضة الغربية، لم تعد الدمية مجرد لعبة، بل انعكاسًا لمعايير الجمال والأنوثة في الثقافة العالمية، وهو ما أثار جدلًا واسعًا حول تأثيرها على وعي الفتيات الصغيرات.فبينما رأى البعض أنها توسع خيال الأطفال وتربطهم بعالم الموضة، حذر آخرون من أنها تفرض نموذجًا غربيًا بعيدًا عن الثقافة المحلية، مما قد يؤثر على هوية الفتيات، ورغم ذلك، ظلت باربي لعقود طويلة أيقونة مرغوبة، وحاضرة في المناسبات والهدايا.

“لابوبو”.. دمى الموضة السريعة

مع بداية الألفية الثالثة، ظهرت موجات جديدة من الدمى صغيرة الحجم، مثل “براتز”، التي تتميز بالتصاميم الغريبة والأزياء الجريئة، وقد لاقت هذه الدمى رواجًا كبيرًا بين الأطفال والمراهقين، مدفوعة بحملات دعائية ضخمة عبر الإنترنت والبرامج التلفزيونية.واليوم، يتصدر المشهد اسم جديد وهي “لابوبو، عبارة عن دمية ملونة ذات عيون واسعة ورأس أكبر من جسدها، جذبت أنظار الأطفال على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تحولت إلى موضة يتسابق الصغار لاقتناء نسخها المختلفة.

تثير “لابوبو” انقسامًا بين أولياء الأمور، فبينما يراها الأطفال رمزًا للبهجة و”التريند”، يتوجس الكبار من أسعارها المبالغ فيها أو من الرسائل التي قد تحملها. البعض يراها امتدادًا طبيعيًا لتطور سوق الألعاب عالميًا، حيث تتحول الدمى إلى منتجات تسويقية مرتبطة بالموضة والإكسسوارات.لكن آخرين يرون أنها مجرد موضة سرعان ما تختفي لتحل محلها دمية أخرى أكثر بريقًا، ومع ذلك، يظل تأثيرها حاضرًا، إذ جعلت الأطفال يتحدثون عنها في المدارس وعلى منصات التواصل كما لو كانت جزءًا من هويتهم.

والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو كيف نحافظ على التراث الشعبي المتمثل في “عروسة المولد” وغيرها من الرموز، في وقت تجتاح فيه دمى مستوردة تحمل ثقافات مختلفة؟، فالبعض يقترح إعادة إحياء العروسة بشكل مبتكر، عبر تصنيعها من مواد آمنة وصديقة للبيئة، أو إدخالها في الفعاليات الثقافية كرمز وطني، بدلًا من تركها تتوارى في زوايا الذاكرة، في المقابل، يرى آخرون أن الانفتاح على الدمى العالمية ليس بالضرورة خطرًا، طالما يتم توجيه الأطفال نحو التوازن بين التراث والحداثة.

ومن عروسة المولد السكرية التي أبهرت الجدات والأمهات، إلى دمى “لابوبو” التي تسيطر على أذهان الصغار في العصر الرقمي، تمتد رحلة الدمى كخط متعرج بين الماضي والحاضر، وبينما يظل التراث شاهدًا على البساطة والروح الشعبية، تأتي الموضة لتفرض إيقاعها السريع والمتغير، وربما تكمن الحكمة في أن ننظر إلى الدمى لا كأدوات جامدة، بل كمرآة تعكس تحولات المجتمع، ووسيلة لربط الأجيال بجذورها مع الانفتاح على الجديد، بحيث لا تفقد الطفولة براءتها وسط ضجيج الموضة.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.