القاهرة – نهاد شعبان:
يعد المولد النبوي الشريف واحدا من أبرز المناسبات الدينية والاجتماعية التي تحتفل بها مصر كل عام، لكن الاحتفال بهذه الذكرى لم يكن على نفس الصورة عبر التاريخ، بل مر بمراحل مختلفة تعكس التغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية في البلاد، فمنذ العصر الفاطمي وحتى يومنا هذا، ظل المولد مناسبة تجمع بين البعد الديني والفرح الشعبي، ليشكل جزءً أصيلا من الهوية المصرية.
ترجع جذور الاحتفال بالمولد النبوي في مصر إلى الدولة الفاطمية التي حكمت بين القرنين العاشر والثاني عشر الميلادي، حيث كان الخلفاء الفاطميون يحرصون على تنظيم احتفالات كبرى في القاهرة بمناسبة المولد، إلى جانب أعياد ومناسبات أخرى مثل عاشوراء ومولد السيدة فاطمة ومولد الإمام علي.لم يكن الاحتفال مجرد طقس ديني، بل وسيلة سياسية أيضًا لتقوية العلاقة بين الحكم والشعب، كان الخلفاء يوزعون الهدايا والطعام والحلوى على الأهالي، ويقيمون الولائم في الساحات العامة، ومن هنا بدأت عادة “حلاوة المولد” التي استمرت حتى اليوم.
وعندما جاء صلاح الدين الأيوبي إلى الحكم بعد انهيار الدولة الفاطمية، حاول الحد من المظاهر الاحتفالية التي ارتبطت بالفاطميين الشيعة، لكن المولد ظل قائمًا بجهود العامة والمتصوفة الذين رأوا فيه مناسبة للتعبير عن حب النبي صلى الله عليه وسلم، ومع الوقت عاد الاحتفال ليتوسع مرة أخرى، خاصة مع ازدهار الطرق الصوفية وانتشار حلقات الذكر والمدائح النبوية.
في عهد الدولة المملوكية، عاد المولد النبوي إلى واجهة الاحتفالات الشعبية والرسمية، حيث اهتم السلاطين المماليك بإحياء الذكرى بشكل فخم، حيث كانوا يقيمون خيامًا ضخمة في ميدان القلعة، وينظمون مواكب يشارك فيها العلماء والفقهاء والطرق الصوفية، كما جرى تطوير أشكال الحلوى لتشمل العرائس والحصان المصنوع من السكر، التي أصبحت فيما بعد جزءًا لا يتجزأ من التراث الشعبي للمولد.

مع دخول العثمانيين مصر، لم يلغوا الاحتفال بالمولد، بل أضفوا عليه طابعا رسميا، فكان يقام في الجامع الأزهر بحضور الوالي وكبار رجال الدولة، إلى جانب احتفالات شعبية واسعة في الشوارع والأسواق، في هذه الفترة تبلور المولد كعيد شعبي أكثر منه مناسبة رسمية، إذ كان يجمع بين حلقات الذكر والأناشيد الدينية من جهة، وبين الألعاب والأسواق الشعبية من جهة أخرى.
ومع بدايات القرن العشرين، اتخذ الاحتفال بالمولد شكلًا جديدًا مع انفتاح المجتمع المصري، حيث استمر وجود السرادقات والموالد الشعبية في الأحياء، حيث يلتقي الناس للاستمتاع بالأنوار، والمراجيح، والحلوى، وحلقات المدح، وفي الوقت ذاته بدأت المؤسسات الدينية كالأزهر والأوقاف في تنظيم احتفالات رسمية لإلقاء الخطب وتوضيح السيرة النبوية.
وفي فترة ما بعد ثورة يوليو 1952، سعت الدولة إلى إعطاء المولد بعدًا وطنيًا، حيث كان الرئيس جمال عبد الناصر وكبار المسئولين يحضرون الاحتفال الرسمي الذي ينقله التليفزيون، أما في العقود الأخيرة فقد أخذت وزارة الأوقاف زمام تنظيم الاحتفال المركزي الذي يحضره رئيس الجمهورية وكبار العلماء.
ولا يمكن الحديث عن المولد دون ذكر “حلاوة المولد” التي أصبحت رمزًا لهذه المناسبة، فمنذ الفاطميين وحتى اليوم، ظلت صناعة الحلوى مرتبطة بالمناسبة بشكل وثيق، العروسة والحصان السكري لم يعودا شائعين كما في الماضي، لكن صنوف الحلوى من حمصية وسمسمية وفولية ومكسرات ما زالت تزين المحلات وتنتظر قدوم المولد كل عام.


