القاهرة – نهاد شعبان:
في قلب حي السيدة زينب العريق بالقاهرة، يقف “بيت السناري” شامخا كأحد أهم الشواهد المعمارية والتاريخية على عظمة التراث المصري في العصر العثماني، وكجسر حي يربط الماضي بالحاضر من خلال أنشطته الثقافية والفنية، هذا المبنى الأثري ليس مجرد جدران قديمة أو تحفة معمارية، بل هو فضاء نابض بالحياة يجمع بين عبق التاريخ وروح الإبداع المعاصر، مما يجعله محطة مميزة لعشاق التراث والفنون على حد سواء.
تم بناء بيت السناري عام 1794م بأمر من “إبراهيم كتخدا السناري”، أحد أثرياء السودان الذين وفدوا إلى مصر، وقد اختار الحي القريب من جامع السيدة زينب ليكون مقرًا له، فشيد منزلا فسيحا يجمع بين روعة الطراز المعماري العثماني والزخارف الإسلامية البديعة، يتكون البيت من ثلاثة طوابق تحيط بفناء داخلي واسع، وتزينه مشربيات خشبية دقيقة الصنع كانت تسمح بمرور الهواء والضوء مع الحفاظ على خصوصية ساكنيه.
لكن شهرة البيت الحقيقية جاءت مع الحملة الفرنسية على مصر “1798-1801″، فقد اتخذه “مجمع العلماء الفرنسيين” مقرًا لهم، حيث عمل فيه علماء بارزون مثل “جوزيف فورييه” و”إتيان جومار” على وضع موسوعة “وصف مصر” الشهيرة، التي أرخت لتاريخ البلاد وطبيعتها وحضارتها، من هنا اكتسب البيت قيمة تاريخية مضاعفة، إذ أصبح شاهدًا على تلاقي الحضارات والثقافات داخل جدرانه.
مر بيت السناري بعدة مراحل من الإهمال، لكنه استعاد مكانته حين تبنته مكتبة الإسكندرية بالتعاون مع صندوق التنمية الثقافية، فقد جرى ترميمه بعناية ليتحول إلى مركز ثقافي وفني مفتوح أمام الجمهور، يحافظ على طابعه التراثي ويمنحه في الوقت ذاته وظيفة جديدة تخدم المجتمع.
أصبح البيت منذ ذلك الحين فضاءً متنوعًا للفعاليات من بينها معارض تشكيلية، ورش فنون، ندوات فكرية، عروض موسيقية ومسرحية، إضافة إلى برامج موجهة للأطفال والشباب لتعليمهم مهارات الحرف التراثية مثل الخط العربي، صناعة الحلي، الفخار، والتصوير الفوتوغرافي، وهكذا تحوّل المبنى التاريخي من مجرد مزار أثري إلى منصة إنتاج ثقافي حي.
الزائر لبيت السناري يشعر أن المكان لا يعرض التاريخ كصفحات جامدة، بل يقدمه بروح معاصرة تفتح المجال أمام الفن للتعبير عن الهوية، فالمعارض الفنية التي تقام داخله غالبًا ما تستلهم عناصر العمارة الإسلامية أو الرموز الشعبية المصرية، في حين يوفر البيت خلفية معمارية ساحرة تضيف بعدًا جماليًا لأي عرض.
كثير من الفنانين الشباب وجدوا في هذا المكان فرصة لعرض أعمالهم بعيدًا عن الأطر التقليدية، كما أن ورش الكتابة والفنون التفاعلية تساعد على تخريج جيل جديد يرى في التراث منبعًا للإبداع وليس مجرد ماضي منتهي، حتى الأمسيات الشعرية والموسيقية التي تقام في ساحاته تضفي على الجمهور إحساسًا بالعودة إلى أجواء القاهرة القديمة، حيث تمازجت الفنون بالحياة اليومية.
يكتسب البيت أهمية خاصة في ظل حاجة المجتمع المصري إلى إعادة ربط الأجيال الشابة بتاريخهم وهويتهم، فزيارة هذا المكان لا تقتصر على التمتع بجمال العمارة أو مشاهدة معرض فني، بل هي رحلة معرفية تستحضر ذاكرة المدينة وحكاياتها.كما يسعى القائمون عليه إلى نشر ثقافة التلاقي والحوار، من خلال استضافة فعاليات دولية أو برامج مشتركة مع معاهد ثقافية أجنبية، هذا يرسخ دور بيت السناري كمكان يفتح أبوابه للتنوع والتعددية، ويربط بين المحلي والعالمي في قالب إبداعي واحد.




