dhl
dhl

الغورية.. ألف عام على طريق التجارة والحكايات

القاهرة – نهاد شعبان:

“يا رايحين الغورية.. هاتوا لحبيبي هدية”، حين تخطو إلى الغورية، تجد نفسك في قلب تحفة فنية تجمع بين التاريخ والأسواق، ليست مجرد شارع ضيق يربط بين الأزهر وشارع المعز، بل كتاب مفتوح يحكي فصولًا من عمر القاهرة يزيد على الألف عام.

سميت الغورية على اسم السلطان قانصوه الغوري آخر سلاطين المماليك، الذي شيد في هذه البقعة جامعًا ومدرسة ليجعلها مركزًا تجاريًا ودينيًا مزدهرًا، ومنذ ذلك الوقت، لم تفقد الغورية بريقها، بل تحولت إلى رمز يجمع بين عبق الماضي وزحام الحاضر.

أوضح المؤرخون أن الغورية مثلت قلبًا نابضًا للقاهرة الإسلامية، فهي تقع في منطقة تلتقي فيها العمارة بالعلم والتجارة، فمن جهة، يجاورها الأزهر الشريف، منارة العلم منذ أكثر من ألف عام، ومن جهة أخرى تفتح على شارع المعز، المتحف المفتوح الذي يضم أروع آثار القاهرة الفاطمية والمملوكية.أما مباني الغورية نفسها فهي تحفة فنية؛ المآذن العالية، والزخارف الحجرية، والنقوش الدقيقة التي لا تزال تحتفظ برونقها رغم مرور القرون، السير بين هذه الجدران يشعرك وكأنك عبرت فجوة زمنية إلى عصر المماليك.

فإذا كان للتاريخ جدران، فإن للغورية روحًا في أسواقها، السوق الممتد في قلب الشارع يعج بالحياة من الصباح حتى ساعات الليل، ألوان الأقمشة الحريرية والقطنية تملأ العيون، والعطر المنبعث من البخور، أصوات الباعة الذين يرددون عبارات تقليدية موروثة تضفي على المكان موسيقى خاصة.

وحتى اليوم، يظل سوق الغورية مقصدًا رئيسيًا لكل من يبحث عن الأقمشة الفاخرة والمشغولات اليدوية، فضلًا عن السياح الذين يقصدونه لشراء الهدايا التذكارية من مصابيح نحاسية، سبحات، ملابس تراثية، وبضائع تحمل بصمة الأصالة المصرية.

لم تكن الغورية مجرد سوق تجاري، بل فضاءً ثقافيًا وروحيًا، هنا كانت تقام حلقات الذكر والإنشاد الصوفي، حيث يجتمع الدراويش والفقهاء في أجواء تمتزج فيها الروحانية بالفن، كما اشتهرت مقاهي الغورية بأنها ملتقى الشعراء والكتاب، ومكانا لتبادل الأفكار والنقاشات، في هذه الأركان ولدت حكايات وأشعار، ودونت ذاكرة المدينة قصصها عبر جلسات طويلة امتدت لمنتصف الليل.

رغم مرور القرون، ما زالت الغورية واحدة من الوجهات السياحية الأهم في القاهرة، فهي ليست مجرد آثار صامتة، بل مكان ينبض بالحياة، كل يوم يتجول فيها آلاف الزوار، يلتقطون الصور، ويستمعون لشروح المرشدين عن تاريخ المماليك والفاطميين، ويعايشون تجربة فريدة لا يمكن أن تقدمها المراكز التجارية الحديثة.

وتسعى الدولة حاليًا للحفاظ على خصوصية المنطقة من خلال ترميم المباني الأثرية وتطوير الخدمات، لتظل الغورية جزءًا من مشروع إحياء القاهرة التاريخية الذي يحول العاصمة إلى متحف مفتوح يروي قصة الحضارة الإسلامية.وتعتبرالغورية أيضا مرآة للمجتمع المصري، حيث يلتقي الغني والفقير، المثقف والعابر، المواطن والسائح، في مشهد يومي واحد، هذا التنوع هو ما يجعلها رمزا للقاهرة نفسها، ويجعلها مدينة مفتوحة للجميع.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.