القاهرة – نهاد شعبان:
بين حر الصيف وبرودة الشتاء، يقف كوكب الأرض في مواجهة مستمرة مع تبعات التغير المناخي، ومع تصاعد النقاش حول أثر الفصول على البيئة، يطرح السؤال نفسه هل الصيف بما يحمله من موجات حر وجفاف هو الخطر الأكبر، أم أن الشتاء بعواصفه وصقيعه يفرض تحديات أشد قسوة؟.
فالصيف هو أكثر الفصول ارتباطا بمصطلح “الاحتباس الحراري”، ارتفاع درجات الحرارة يعني زيادة انبعاث الغازات الدفيئة من أجهزة التبريد والمكيفات التي يزداد الاعتماد عليها، المدن الكبرى تتحول إلى جزر حرارية، حيث الإسفلت والمباني تمتص الحرارة وتعيد إشعاعها، مما يضاعف الإحساس بالحر.
لكن التحدي الأكبر للصيف يتمثل في أزمات المياه والجفاف، وارتفاع الحرارة يسرع من معدلات تبخر المياه، ما يؤدي إلى نقص حاد في الموارد المائية، خاصة في المناطق الزراعية، هذا النقص يهدد الأمن الغذائي، ويؤدي إلى تدهور الأراضي الزراعية، بل وزيادة التصحر.
وقد يبدو الشتاء أقل خطورة، لكنه يحمل تهديدات لا تقل قسوة، العواصف الثلجية والفيضانات الناتجة عن الأمطار الغزيرة تشكل خطرا مباشرا على البنية التحتية والأنظمة الزراعية، ذوبان الثلوج في مناطق القطبين بفعل التغير المناخي يؤدي إلى ارتفاع مستوى سطح البحر، وهو ما يهدد بغرق مناطق ساحلية مكتظة بالسكان.
إلى جانب ذلك، يضاعف الشتاء الاعتماد على مصادر الطاقة للتدفئة، خاصة الفحم والغاز في الدول الباردة، وهو ما يعني ارتفاع الانبعاثات الضارة، المفارقة أن الشتاء، الذي يوحي بالبرودة، قد يساهم في تسريع الاحتباس الحراري عبر حرق المزيد من الوقود الأحفوري.

والأخطر أن موجات البرد القارس تضعف قدرة البشر على العمل والإنتاج، وتزيد من معدلات الإصابة بالأمراض التنفسية، هذه الأعباء الصحية والاقتصادية تضع المجتمع أمام ضغوط إضافية، خاصة في الدول النامية التي تفتقر إلى بنية صحية قوية.
وفي الوقت الحالي لم يعد الصيف صيفًا كما اعتدنا، ولا الشتاء شتاءً بطقسه التقليدي، نشهد اليوم صيفًا أشد حرارة يمتد لأسابيع أطول، وشتاءً أكثر تقلبًا بين أمطار غزيرة وجفاف غير معتاد، ويرى خبراء المناخ أن المشكلة ليست في الصيف أو الشتاء بحد ذاتهما، بل في التطرف المناخي، حين ترتفع الحرارة إلى مستويات غير مسبوقة، أو يضرب البرد القارس مناطق لم تعرفه من قبل، تتحول الفصول إلى مصدر تهديد شامل للإنسان والبيئة.
فإذا كان الصيف متهم بأنه مسبب الحرائق والجفاف، فإن الشتاء متهم بالفيضانات وارتفاع الانبعاثات، كل فصل له “جرائمه البيئية”، لكن الاختلاف يكمن في المدى الزمني للأثر،فآثار الصيف مثل التصحر وحرائق الغابات قد تترك ندوبًا طويلة المدى على النظام البيئي، أما آثار الشتاء كالعواصف والفيضانات، فهي كارثية لحظية لكنها قابلة للإصلاح على المدى البعيد.
وأمام هذه التحديات، الحل ليس في تفضيل فصل على آخر، بل في التكيف مع كلاهما، يجب على الحكومات الاستثمار في الزراعة المقاومة للجفاف، وتطوير أنظمة إنذار مبكر للحرائق، إلى جانب تعزيز البنية التحتية لمواجهة الفيضانات والعواصف، والأهم هو التحول نحو الطاقة المتجددة، التي تخفف من الانبعاثات سواء في الصيف أو الشتاء، فالشمس والرياح والمياه مصادر نظيفة يمكن أن تعوض عن استهلاك الوقود الأحفوري الذي يفاقم الأزمات المناخية.


