القاهرة – نهاد شعبان:
في قلب الصحراء الممتدة، يطل علينا واحد من أعجب الفنون الإنسانية وأكثرها غموضًا وإبهارًا وهي قص الأثر، ذلك العلم البدائي الذي اعتمدت عليه القبائل البدوية عبر قرون طويلة للبقاء، وكشف الأسرار، وحماية القوافل، بل وأحيانًا الفصل في النزاعات، ورغم أن التكنولوجيا الحديثة غزت كل تفاصيل حياتنا، فإن قصاص الأثر لا يزال حاضرًا في مجتمعات الصحراء، شاهدًا على براعة الإنسان حين يوظف حواسه وذاكرته في قراءة “كتاب الرمال”.
قصاص الأثر ليس مجرد بدوي يحدق في الرمال، بل هو عقل موسوعي يقرأ الصحراء كما يقرأ أحدنا كتابًا مفتوحًا، يتتبع الخطوات البشرية والحيوانية من خلال بصمات دقيقة قد لا تراها العين العادية، انحناءة حبة رمل، كسرة صغيرة في صخرة، أو حتى بقايا عشب مائل، من خلال هذه العلامات، يحدد اتجاه السير، وعدد الأشخاص أو الحيوانات، وسرعتهم، بل وأحيانًا حالتهم النفسية والجسدية.ويقال إن قصاص الأثر يمكنه تمييز آثار شخص مريض من خطواته الثقيلة، أو آثار قافلة خائفة من تلاحق الأقدام وتزاحمها، إنها قدرة على قراءة اللغة الصامتة للصحراء، وهذه اللغة لا يتقنها إلا من عاش عمره متناغمًا مع الرمال.
عرف العرب قص الأثر منذ الجاهلية، كانت القبائل تعتمد عليه في الصيد، وفي تتبع اللصوص والهاربين، وفي العثور على المفقودين وسط الصحاري، وقد خلدت السير الشعبية والأمثال العربية أسماء قصاصي الأثر باعتبارهم رجال ثقة لا يخطئون، ولعل أكثر ما يميزهم أن قدرتهم لم تكن مبنية على العلم النظري، بل على الممارسة اليومية، وعلى ذاكرة حديدية تحفظ شكل الخطوات وأنماطها عبر السنين، كما اعتمدت الجيوش العربية في صدر الإسلام على قصاصي الأثر في رحلاتها، إذ كانوا بمثابة “عيون الصحراء”، يحددون مسارات الخصوم أو يرشدون القادة إلى أقصر الطرق وأأمنها.

وحين تجلس مع قصاص أثر بدوي، تكتشف أنه لا يصف نفسه بخبير أو عالم، بل بخادم الصحراء، هو يرى نفسه جزءًا من الأرض، يتنفس تفاصيلها ويحفظ أسرارها، ذاكرته تختزن آلاف الأشكال، من أثر أقدام طفل صغير إلى مسار بعير ضل طريقه، بعضهم يستطيع أن يقول لك متى مر هذا الأثر، أمس، أو منذ ساعات، أو قبل أسبوع، اعتمادًا على تماسك الرمل أو اتجاه الرياح، وبذلك فهم ذاكرة الصحراء، يحفظون تاريخها اليومي غير المكتوب، فإذا ضاع طفل في البادية، يلجأ الأهل إلى قصاص الأثر قبل أي شخص آخر، وإذا تسللت قافلة غريبة، فهو أول من يكشف سرها من بصمات خفية على الرمال.قد يظن البعض أن الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة وأجهزة الـGPS ألغت الحاجة إلى قصاص الأثر، لكن الحقيقة أن الكثير من الأجهزة الأمنية والعسكرية، خصوصًا في المناطق الحدودية أو الصحراوية، ما زالت تستعين بخبراتهم، فالتكنولوجيا لا تستطيع دومًا قراءة تفاصيل دقيقة كأثر قدم بشرية وسط ملايين الحبات من الرمال المتحركة.
وقد سجلت العديد من القصص المعاصرة نجاح قصاصي الأثر في الكشف عن عمليات تهريب، أو إنقاذ مفقودين في الصحراء، حين عجزت الأجهزة الحديثة، وكأن هذه المهنة العتيقة تقول للعصر الحديث: “ما زال للعين المدربة والذاكرة الصامتة قيمة لا تعوض”.
الطريف أن هذه المهنة لا يتم تعليمها في المدارس، بل تورث من جيل لآخر، يجلس الصغار مع الكبار يتابعون بصبر كيف يميزون بين آثار الحيوانات المختلفة، وكيف يحددون الاتجاه من ميل العشب أو حركة الرمال، بعض العائلات البدوية اشتهرت بأن فيها سلالة من قصاصي الأثر، تحكى عنهم الأساطير وتروى عنهم قصص العجائب، لكن مع تغير أنماط الحياة، وتراجع ارتباط الناس بالصحراء، أصبحت هذه المهنة نادرة، يهددها الاندثار، فالقليل من الشباب يرغبون في قضاء عمرهم وسط الرمال يتتبعون الخطوات، خصوصًا مع قسوة الظروف المعيشية.


