القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
في قلب القاهرة، حيث تختلط الأصوات باللغات واللهجات، يجتمع آلاف الطلاب والطالبات من مختلف قارات العالم ليحملوا حلمًا واحدًا: إتقان اللغة العربية من منبعها الأصيل. لم تعد مصر مجرد محطة دراسية عابرة، بل تحولت إلى مركز عالمي لتعليم لغة الضاد، ورسالة حضارية تتجاوز حدود الجغرافيا، تجمع بين العلم والثقافة والتسامح تحت مظلة الأزهر الشريف.
الأرقام وحدها كفيلة برسم ملامح هذا المشهد المتنامي. فبحسب بيانات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بلغ عدد الطلاب الوافدين الدارسين في الجامعات والمعاهد المصرية ما يقرب من 125 ألف طالب من 119 دولة مختلفة، وهو رقم يعكس المكانة التي صارت تحتلها مصر في خريطة التعليم الدولي.
جامعة القاهرة وحدها استقبلت العام الماضي أكثر من 24 ألف طالب وافد، بعدما تضاعفت الأعداد بنسبة 300% خلال سبع سنوات، بزيادة لافتة في طلاب الدراسات العليا الذين تخطوا ثلاثة آلاف طالب قدموا من آسيا وإفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية.هذا الإقبال الكثيف لم يأتِ من فراغ، وإنما جاء نتيجة جهد ممتد يقوم به الأزهر الشريف ومعاهد تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها.
فالأزهر، بقيادة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، ينظر إلى ملف الوافدين باعتباره رسالة إنسانية وحضارية، حيث يتحول الطلاب الدارسون في القاهرة إلى سفراء حين يعودون إلى أوطانهم حاملين معهم العربية لغةً وثقافةً، وقيم الاعتدال والتسامح التي يمثلها الأزهر في خطابه للعالم.
وليس الأزهر وحده الذي يقود هذه المسيرة، بل هناك مؤسسات ومعاهد متخصصة، في مقدمتها معهد تعليم اللغة العربية للفتيات، الذي تشرف عليه الدكتورة نهلة الصعيدي.
استطاع المعهد أن يكون نموذجًا ناجحًا في استقطاب الطالبات من قارات عدة، ببرامج تعليمية متطورة تراعي الفروق الثقافية واللغوية، مع توفير أنشطة دعم نفسي واجتماعي تجعل الوافدات يشعرن بأنهن في بيت ثانٍ.
وتروي طالبات من إندونيسيا ونيجيريا تجاربهن داخل المعهد، مؤكدات أنهن لم يجدن مجرد مكان للتعلم، بل بيئة حاضنة تشجع على الاندماج والممارسة اليومية للغة، وتفتح أمامهن أبوابًا لفهم أعمق للثقافة المصرية والعربية.
الدولة المصرية من جانبها لم تترك الملف للجهود الفردية فقط، بل أطلقت منصة “ادرس في مصر” لتسهيل إجراءات التقديم والتسجيل للطلاب الأجانب، وربطت المنصة بالملحقيات الثقافية في الخارج، الأمر الذي جعل اختيار مصر أكثر سهولة وجاذبية للطلاب وأسرهم. هذه المنظومة الرقمية أسهمت في رفع أعداد الوافدين، وزيادة تنوع الجنسيات القادمة للدراسة، حتى باتت القاهرة تستقبل طلابًا من أكثر من أربع قارات، يجمعهم شغف واحد هو لغة القرآن الكريم.
ومع تنامي هذه الحركة التعليمية، لم يعد الطلاب يأتون فقط لدراسة اللغة العربية على المستوى التمهيدي أو المتوسط، بل أصبح كثير منهم يتجهون إلى الدراسات العليا، في مجالات متصلة بالشريعة الإسلامية واللغة والأدب العربي، وهو ما يعزز مكانة مصر كمنصة معرفية تؤهل كوادر جديدة لنشر العربية في بلدانهم.
ويؤكد أساتذة الجامعات والمعاهد أن الطلاب الوافدين هم في جوهرهم سفراء غير رسميين لمصر، يحملون إلى مجتمعاتهم صورة عن الثقافة المصرية وكرم أهلها قبل أن يحملوا شهادة أو كتابًا.إن ما يحدث اليوم في مصر ليس مجرد تعليم لغة، بل هو بناء جسور بين الشعوب.
طلاب من آسيا يتعلمون جنبًا إلى جنب مع زملاء من إفريقيا، وطالبات من أوروبا يدرسن في قاعات واحدة مع أخريات من أميركا اللاتينية، يكتشفون جميعًا أن اللغة العربية ليست مجرد كلمات، بل مفتاح لفهم قيم إنسانية وحضارية راسخة.
القاهرة، بما تمثله من تاريخ وأصالة وانفتاح، تظل شاهدة على هذه التجربة الاستثنائية، حيث تتحول الفصول الدراسية إلى منصات للتعارف والتواصل، ويندمج الطلاب في نسيج اجتماعي يمدهم بالقوة لمواجهة تحديات الغربة.
بهذا المشهد المتكامل، تثبت مصر أنها لا تزال تحتفظ بدورها التاريخي كمنارة علمية وثقافية، وأن الأزهر الشريف بما يحمله من ثقل روحي وعلمي يقود نهضة تعليمية تتجاوز حدود الكتب والفصول، لتصل إلى بناء إنسان قادر على أن يكون جسرًا للتواصل بين الأمم. فطلاب من أربع قارات يجتمعون اليوم في القاهرة ليتعلموا لغة القرآن، لكنهم في الحقيقة يتعلمون أيضًا معنى الانتماء إلى حضارة تتسع للجميع.





