dhl
dhl

سر الحكاية.. لماذا ينتظر الشباب اليوتيوبرز كأنهم نجوم الشاشات؟

القاهرة – أميرة المُحمَّدي:

لم يعد بريق الشهرة حكراً على نجوم السينما أو المطربين كما كان في السابق؛ فقد برز جيل جديد من صنّاع المحتوى على موقع “يوتيوب” باتوا أشبه بظاهرة اجتماعية وثقافية في العالم العربي، وصار الشباب ينتظرون حلقاتهم الجديدة بفارغ الصبر، يتفاعلون معهم كأنهم أصدقاء مقربون، ويدافعون عنهم وكأنهم جزء من حياتهم اليومية.في مصر والعالم العربي، تتصدر أسماء بعينها المشهد الرقمي.

“ريهام عياد” مثلاً، استطاعت من خلال برنامجها “القصة وما فيها” أن تفتح أبواب التاريخ بطريقة بسيطة وشيقة، تمزج فيها بين السرد الدرامي والبحث الموثّق، فحولت أحداثاً تاريخية جامدة إلى قصص نابضة بالحياة تصل بسهولة إلى عقول الشباب وقلوبهم.

أما قناة “بيس كيك” التي يقدمها فريق من الشباب منهم:

ملك دهشان وحازم راغب ويحيى الصادي ومروان مسلماني وغيرهم بأعمال مثل المنشر واللي فاكر فاكر وامسك نفسك وغيرها ، فقد صنعت لنفسها قاعدة جماهيرية واسعة بمحتواها الترفيهي الساخر، حيث تمزج بين الكوميديا الاجتماعية والنقد اللاذع لمظاهر الحياة اليومية، في حلقات اسبوعية قصيرة  تواكب طبيعة المتابعين الباحثين عن الضحك السريع والفكرة العميقة في الوقت ذاته .

ولم يتوقف التأثير عند حدود الكوميديا أو التاريخ، بل امتد إلى النقد الفني والتحليل السينمائي.

فمحمد طاهر في قناته الشهيرة “فيلم في الخمسينة” يقدم محتوى مختلفاً يمزج بين الكوميديا والتحليل، فيتناول الأفلام والمسلسلات بجرأة وخفة دم جعلت قناته مقصداً لعشاق السينما، ولمن يبحثون عن رؤية جديدة بعيداً عن النقد التقليدي الجامد.

أما التجربة الأوسع انتشاراً والأكثر جماهيرية فهي بلا شك تجربة أحمد الغندور “الدحيح”، الذي قدّم العلم في قالب قصصي كوميدي، ليحوّل مفاهيم معقدة في الفيزياء أو التاريخ أو الفلسفة إلى وجبة معرفية سهلة الهضم.

حلقاته تحولت إلى “موعد أسبوعي” ينتظره مئات الآلاف، ليصبح مثالاً حياً على أن المحتوى العميق قادر على النجاح إذا قُدم بطريقة مبتكرة قريبة من الناس.

ومن بين الأسماء العربية التي رسخت حضورها على يوتيوب، يبرز اسم جَو حطاب، الرحالة الأردني الذي استطاع أن يحوّل السفر إلى تجربة بصرية ملهمة.

لا يكتفي جو باستعراض المناظر الطبيعية الخلابة، بل يخوض مغامرات محفوفة بالمخاطر، مثل دخوله أخطر سجن في العالم، سجن العصابات في السلفادور، وهي الحلقة التي حققت أكثر من 64 مليون مشاهدة.

محتواه يجمع بين التوثيق الواقعي والمغامرة، مما جعله أقرب إلى “مراسل عالمي” يكتشف أماكن لا يجرؤ كثيرون على الاقتراب منها.

وبهذا، أصبح مثلاً على أن المحتوى العربي قادر على الوصول إلى مستوى عالمي، يجمع بين المتعة والمعرفة والإثارة.هؤلاء وغيرهم يعكسون مشهدًا متغيّرًا في الإعلام الجديد، حيث تحوّل اليوتيوبرز إلى “نجوم الجيل الرقمي”، يقدمون الضحك والمعرفة والحكايات في آن واحد، ويخلقون رابطًا مباشرًا مع جمهورهم لا توفره أي وسيلة إعلامية أخرى.

لذلك، ليس غريبًا أن ينتظر الشباب حلقاتهم بفارغ الصبر، وكأنهم يعيشون معهم الحكاية لحظة بلحظة.اللافت في هذه التجارب جميعها أنها لا تقوم على مجرد الترفيه، بل تحمل تأثيراً أعمق في تشكيل وعي الشباب، وخلق لغة مشتركة بينهم وبين صانعي المحتوى. فالشباب لا يرون في هؤلاء اليوتيوبرز مجرد مؤدين على الشاشة، بل أصدقاء يشاركونهم اهتماماتهم، ويعبرون عنهم بلغة قريبة من وجدانهم.

وبين التاريخ والفن والضحك والمعرفة، صار هؤلاء اليوتيوبرز بمثابة جيل جديد من “نجوم الشاشة”، لكن شاشتهم هذه المرة ليست السينما أو التلفاز، بل شاشة صغيرة بين أيدي الشباب، تتحكم في أوقاتهم ومشاعرهم وحتى رؤيتهم للعالم.

ومع ذلك، فإن لهذه الظاهرة جانباً آخر لا يقل أهمية؛ فصنّاع المحتوى يواجهون تحديات حقيقية تتمثل في ضغوط الاستمرارية، وصعوبة إرضاء جمهور واسع ومتغير الذوق، إضافة إلى المنافسة الشرسة في فضاء مزدحم بالمحتوى.

كما أن الانتقادات لا تغيب، وأي هفوة قد تتحول إلى أزمة كبيرة على وسائل التواصل. ورغم كل ذلك، يظل الإبداع هو السلاح الأقوى الذي يحفظ لهم مكانتهم وسط هذا الزحام.في النهاية، يبدو أن سر الحكاية ليس في “المحتوى” وحده، بل في الصدق، والقرب، والقدرة على لمس وجدان المتابعين.

وهنا تتجلى المعادلة: المعرفة حين تختلط بالبساطة، والفكاهة حين تندمج مع الوعي، تتحول إلى قوة هائلة تصنع جيلاً بأكمله.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.