القاهرة – نهاد شعبان:
تقع الواحات البحرية في قلب الصحراء الغربية، كجوهرة خضراء وسط الرمال الصفراء الممتدة، ورغم بعدها عن صخب المدن، إلا أنها تحمل بين جنباتها تاريخا ضاربا في القدم، وطبيعة تخطف الأنفاس، وسحرا يجمع بين أصالة الماضي وروعة الحاضر، ليست مجرد واحة صحراوية، بل مدينة متكاملة من السحر والجمال، تجذب كل من يبحث عن المغامرة أو الراحة أو العلاج.تتبع الواحات البحرية محافظة الجيزة إداريا، وتعد أقرب واحات الصحراء للقاهرة، مما يجعلها وجهة سهلة الوصول للزائرين، وتضم الواحات أربع قرى رئيسية هي الباويطي، والقصر، ومنديشة، والحيز، ويعيش فيها نحو 30 ألف نسمة، يعتمد معظمهم على الزراعة والسياحة.من أبرز كنوز الواحات البحرية مقابر الباويطي التي تعود إلى العصر الصاوي الفارسي، ومتحف الذهب الذي يضم مومياوات مدهشة عثر عليها في وادي المومياوات الذهبية عام 1996، حيث اكتشف علماء الآثار أكثر من 10 آلاف مومياء مذهبة، ما جعل الواحات واحدة من أهم مواقع الاكتشافات الأثرية في مصر الحديثة، فمن يزور الواحات البحرية يندهش من تنوع الطبيعة بين الجبال والعيون والوديان. ومن أشهر معالم الواحات البحرية الطبيعية جبل الإنجليز، حيث اتخذته القوات البريطانية موقعًا استراتيجيًا خلال الحرب العالمية الأولى، ويمنح الزائرين منظرا بانوراميا رائعا للواحة، وجبل الدست وجبل المغرفة وهما من الجبال التي تحمل طبقات جيولوجية تكشف عن تاريخ الأرض منذ ملايين السنين، ووادي الحيتان الصغير وهي منطقة مليئة بالأحفوريات البحرية التي تدل على أن الصحراء كانت يوما ما قاع محيط.
كما تشتهر الواحات البحرية بوجود عشرات العيون الكبريتية والآبار الطبيعية، مثل عين البشمو وعين المغرفة، والتي يقصدها الزوار من مختلف أنحاء العالم للاستشفاء من أمراض الروماتيزم والجلدية والجهاز التنفسي، وبجانب فوائدها الطبية، توفر هذه العيون تجربة استرخاء فريدة وسط الطبيعة الصحراوية الهادئة، ما يجعلها وجهة للسياحة العلاجية والبيئية في آن واحد.وعلى بعد كيلومترات من الباويطي، يمتد الواحة البيضاء، أو ما يعرف بـ”الصحراء البيضاء”، حيث تنتشر تشكيلات صخرية طبيعية نحتتها الرياح على هيئة طيور وأشجار وفطر عملاق، في مشهد يبدو كلوحة فنية، أما الصحراء السوداء فتضم تلالًا مغطاة بأحجار بركانية سوداء، تجعلها مختلفة في ألوانها عن باقي الصحراء، وكأنها لوحة من عالم آخر.تضم الواحات البحرية أيضًا سلة غذاء طبيعية، حيث تشتهر بزراعة النخيل وإنتاج أجود أنواع التمر، إلى جانب الزيتون والفواكه مثل الرمان والجوافة والمانجو، أما المطبخ البدوي، فهو تجربة لا تقل جمالًا عن الطبيعة، حيث يشتهر أهالي الواحة بخبز العيش الفطير المطهو على الرمال الساخنة، ولحوم الضأن المطهوة بطرق تقليدية، والشاي الصحراوي بالنعناع.وتعد الواحات البحرية ليست فقط وجهة للباحثين عن الهدوء، بل أيضًا لعشاق المغامرة، حيث يمكن للزوار القيام برحلات سفاري بسيارات الدفع الرباعي في الصحراء البيضاء والسوداء، أو التخييم تحت سماء مرصعة بالنجوم، أو تسلق الجبال وممارسة التزلج على الرمال، ورغم كل هذه المقومات، ما زالت الواحات البحرية تعاني من ضعف الترويج السياحي، وقلة الاستثمارات في البنية التحتية مثل الطرق والفنادق والخدمات الطبية.




