dhl
dhl

«عودة المسرح الغنائي: هل يشهد الأوبريت المصري نهضة جديدة؟»

القاهرة – أميرة المُحمَّدي:

ظلّ المسرح الغنائي في مصر لعقود طويلة أحد أبرز ملامح الإبداع الفني، وذاكرةً حية جمعت بين الدراما والموسيقى والاستعراض. فمنذ بدايات القرن العشرين مع رواد مثل سيد درويش، وصولًا إلى أوبريتات السبعينيات والثمانينيات التي صاغت وجدان أجيال، كان هذا الفن بمثابة مرآة للهوية الوطنية ومنبرًا للجماهير. غير أنّ بريقه خفت في العقود الأخيرة، ليغدو الحديث عن الأوبريت أشبه باستدعاء لزمن مضى.ولعلّ العودة إلى أرشيف المسرح الغنائي تكشف عن ثراء التجربة المصرية فيه. فقد كان سيد درويش حجر الزاوية حين قدّم أعمالًا خالدة مثل أوبريت العشرة الطيبة (1920) الذي اعتُبر ثورة في توظيف الغناء لخدمة الدراما المسرحية. وتلاه كامل الخلعي وزكريا أحمد ومحمد القصبجي، الذين نسجوا أوبريتات جمعت بين الطابع الشرقي والكلاسيكي الغربي. أما محمد عبد الوهاب فقد منح المسرح الغنائي أبعادًا جديدة من الرصانة والحداثة عبر أعمال مثل مجنون ليلى ورنة الخلود.

وفي النصف الثاني من القرن العشرين، جاء بليغ حمدي وعبد الحليم حافظ ليصنعا معًا أوبريتات وطنية جماهيرية على غرار صورة والمسؤولية، التي جسدت روح التضامن بعد نكسة 1967 وصولًا إلى نصر أكتوبر 1973.إن استحضار هذه النماذج ليس مجرد حنين إلى الماضي، بل شاهد على أنّ مصر امتلكت مدرسة مسرحية غنائية متكاملة، استطاعت أن تكون مرآة لعصرها. وهنا يبرز التساؤل: هل يمكن استعادة هذا الزخم في زمن طغت فيه العروض الخفيفة السريعة؟السنوات الأخيرة شهدت بالفعل إشارات متفرقة تعكس رغبة في إحياء هذا الفن، سواء عبر إنتاجات مسرحية متفرقة أو عبر مبادرات فنية جديدة تستهدف الجمهور الشاب. ففي القاهرة، قدّمت بعض الفرق المستقلة عروضًا موسيقية ذات طابع درامي، بينما لجأت دار الأوبرا إلى إعادة تقديم أعمال كلاسيكية بروح عصرية. كما برزت محاولات لتوظيف التكنولوجيا في تصميم المشاهد البصرية والإضاءة والمؤثرات، بما يضيف بعدًا حداثيًا للأوبريت دون أن يفقد روحه الأصلية.لكن السؤال الجوهري يظل قائمًا: هل نحن أمام عودة حقيقية للمسرح الغنائي، أم مجرد ومضات فردية؟الخبراء يرون أنّ النهضة تحتاج إلى عناصر متكاملة: كتابة نصوص قوية تُعالج قضايا معاصرة بلغة شعرية، ألحان قادرة على المزج بين التراث والحداثة، تدريب فرق استعراضية متخصصة، والأهم توفير دعم مؤسسي من الدولة والقطاع الخاص معًا. فالأوبريت ليس مجرد عرض مسرحي، بل مشروع فني متكامل يتطلب استثمارات ووعيًا بأهميته الثقافية.إن عودة الأوبريت المصري لن تكون مجرد استرجاع للماضي، بل ولادة جديدة لفن جامع، يعيد إلى المسرح دوره كملتقى للفنون جميعًا، ويمنح الجمهور متعة بصرية وسمعية ورسالة فكرية في آن واحد. وفي زمن تتسارع فيه وسائل الترفيه السريعة عبر المنصات الرقمية، قد يكون المسرح الغنائي هو «الفرصة الذهبية» لإعادة صياغة علاقة الأجيال الشابة بالفن الحي، المباشر، المليء بالحياة.وربما تحمل السنوات القادمة الإجابة، فإما أن يتحقق الحلم بعودة الأوبريت المصري كقوة ناعمة تعكس ريادة مصر الفنية، أو يظل مجرد ذكرى نترحم عليها في سجلات التاريخ الثقافي.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.