القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
في خطوة تحمل أبعادًا ثقافية ورمزية بالغة، أعلنت وزارة الثقافة المصرية اختيار محافظة المنيا عاصمةً للثقافة المصرية لعام 2025. هذا الاختيار ليس مجرد قرار إداري أو برمجة لفعاليات فنية، بل هو بمثابة إعادة توزيع للضوء الثقافي نحو المحافظات، بما يعكس رؤية جديدة لدور الثقافة في التنمية المجتمعية وتعزيز الهوية الوطنية.• المنيا… على ضفاف التاريختقع المنيا في قلب صعيد مصر، وتُعرف تاريخيًا بأنها “عروس الصعيد”، لما تزخر به من مواقع أثرية ومعالم حضارية تعود إلى عصور فرعونية وقبطية وإسلامية. من آثار تل العمارنة عاصمة إخناتون، إلى أديرة جبل الطير، مرورًا بالمساجد التاريخية، تبدو المنيا وكأنها كتاب مفتوح لطبقات متعاقبة من الحضارة المصرية. غير أنّ اختيارها عاصمة للثقافة يضيف بعدًا جديدًا: فهي لم تعد فقط مخزنًا للتاريخ، بل ساحة للحاضر الثقافي.• فعاليات تتجاوز العروض الفنيةالبرنامج المعلن يتضمن طيفًا واسعًا من الفعاليات:مهرجانات موسيقية ومسرحية تستضيف فنانين مصريين معاصرين وتمنح مساحة للمواهب المحلية.معارض تشكيلية لعرض إبداعات فنانين شباب من أبناء المحافظة، إلى جانب أسماء راسخة.ورش عمل مجتمعية تستهدف مشاركة المواطنين العاديين في إنتاج الفن والتفاعل معه، ما يحوّل الثقافة من كونها “عرضًا يقدَّم للجمهور” إلى “عملية يشارك فيها المجتمع”.مبادرات للأطفال والشباب تركز على تعزيز مهارات القراءة والإبداع والابتكار.بهذا، تتحول المنيا إلى مختبر حيّ للثقافة المجتمعية، حيث لا يقتصر الأمر على استهلاك الفنون، بل يمتد إلى ممارستها وصياغتها من جديد.• تفكيك الصورة النمطية عن الصعيدلطالما ارتبطت الثقافة في مصر بالمركز – أي القاهرة والإسكندرية – فيما همِّشت المحافظات الأخرى، خصوصًا محافظات الصعيد. اختيار المنيا يحمل معنى رمزيًا عميقًا:كسر احتكار المركز للثقافة وإعادة توزيع الأنشطة بما يحقق العدالة الثقافية.تصحيح الصورة النمطية عن الصعيد باعتباره فضاءً هامشيًا أو متأخرًا، ليظهر باعتباره منتجًا للثقافة لا متلقيًا سلبيًا لها.تمكين المجتمعات المحلية من التعبير عن هويتها عبر الفنون والأنشطة الثقافية، وهو ما يعزز روح الانتماء والاعتزاز.• المنيا في قلب خريطة التنمية الثقافيةالمنيا ليست الأولى التي تُعلن عاصمة للثقافة المصرية، فقد سبقتها مدن أخرى مثل بورسعيد وأسوان، لكن ما يميز هذه النسخة هو حجم الرهانات عليها:فهي تأتي في وقت تشهد فيه الدولة المصرية توسعًا في مشروعات التنمية الإقليمية، بما يجعل الثقافة جزءًا من عملية التحول المجتمعي الشامل.كما أنها تتقاطع مع رؤية تحويل الثقافة إلى قوة ناعمة تدعم السياحة الداخلية وتبرز الوجه الحضاري لمصر أمام العالم.الاحتفاء بعام ثقافي كامل لن يكتمل أثره بمجرد انتهاء الفعاليات، بل يُفترض أن يترك أثرًا ممتدًا على البنية الثقافية للمحافظة:إنشاء أو تطوير مراكز ثقافية دائمة.اكتشاف مواهب فنية جديدة.تعزيز التعاون بين مؤسسات المجتمع المدني والهيئات الثقافية الرسمية.تحويل المنيا إلى محطة رئيسية في خريطة الفعاليات الفنية المصرية مستقبلًا.إعلان المنيا عاصمة الثقافة المصرية لعام 2025 ليس مجرد حدث عابر، بل هو دعوة لإعادة التفكير في مفهوم الثقافة كحق أصيل لكل مواطن، بغض النظر عن موقعه الجغرافي. وإذا كانت القاهرة قد اعتادت أن تكون مركز الأضواء، فإن العام القادم يمنح الفرصة للصعيد كي يتحدث بلغته الخاصة، ويقدّم للعالم وجهًا آخر لمصر: وجهًا يجمع بين عمق التاريخ وزخم الحاضر وإمكانات المستقبل.


