dhl
dhl

الغزو الناعم: كيف غيّرت الدراما الكورية والتركية ذائقة المشاهد العربي؟

القاهرة – أميرة المُحمَّدي:

في زمنٍ لم يعد للحدود فيه سلطان على الثقافة، تقتحم الدراما الكورية والتركية البيوت العربية بهدوء لكنها بقوة جارفة، محققة حضورًا متناميًا بين المشاهدين، ولا سيّما الأجيال الشابة. لقد باتت هذه الأعمال بمثابة غزو ناعم يفرض إيقاعه على الذائقة العربية، ويضع الدراما المصرية، التي طالما تربّعت على عرش المنطقة لعقود، أمام تحدٍّ وجودي لا يُستهان به. فبينما يلهث الجمهور العربي خلف إنتاجات سيول وإسطنبول، تُطرح تساؤلات كبرى حول مصير الدراما المحلية، وعن قدرة القاهرة تحديدًا على استعادة بريقها الذهبي.منذ التسعينيات كانت الدراما المكسيكية تقتحم الشاشات العربية عبر دبلجتها إلى اللغة الفصحى، لكن هذه الموجة لم تصمد طويلًا. أما اليوم، فإن المدّ الكوري والتركي جاء مختلفًا، إذ يستند إلى صناعة ضخمة، إنتاج متقن، وتسويق عالمي ذكي. منصات رقمية مثل نتفليكس و”شاهد” و”واتش إت” فتحت الطريق أمام أعمال تتجاوز الحدود الثقافية، بحيث يمكن لشاب في القاهرة أن يتابع الحلقة نفسها مع فتاة في الدار البيضاء أو شابة في الرياض لحظة إصدارها، ما خلق نوعًا من “المشاهدة الكونية المشتركة”.وقد نجحت الدراما الكورية تحديدًا في تقديم خلطة تجمع بين الرومانسية الرقيقة، والإثارة البوليسية، والخيال العلمي أحيانًا، كما رأينا في مسلسلات مثل Crash Landing on You وThe Glory وSquid Game الذي تحوّل إلى ظاهرة عالمية. أما الدراما التركية فقد أسرت القلوب بقصصها الطويلة المليئة بالتقلبات العاطفية والدرامية، مثل المؤسس عثمان، العهد، وإبنة السفير، والحفرة، وهي أعمال حجزت لنفسها مكانة بارزة في البيوت العربية لسنوات، حتى صارت مألوفة كأنها إنتاج محلي.تفسير هذا الانجذاب لا ينفصل عن عوامل بصرية وإنتاجية: تصوير بانورامي بديع للطبيعة، موسيقى تصويرية آسرة، ممثلون بملامح مميزة ومكياج جذاب، فضلًا عن جرأة في تناول موضوعات لا تزال تُحاط بقيود في الدراما العربية، كالعلاقات العاطفية المعقدة، والصراع مع السلطة، والأسئلة الوجودية. هذه العناصر خلقت لدى المشاهد إحساسًا بالتجديد، وبأن هناك فنًا يتجاوز الرتابة التي يراها البعض في الإنتاج المحلي.غير أن هذه الظاهرة طرحت سؤالًا مؤرقًا: هل تهدد هذه الدراما عرش الإنتاج المصري؟لقد كانت القاهرة لعقود مصنع النجوم وقِبلة الشاشات العربية. مسلسلات مثل ليالي الحلمية والمال والبنون شكّلت ذاكرة جمعية لملايين العرب، بينما دراما رمضان كانت تُعد حدثًا سنويًا يتابعه الجميع. لكن تراجع التمويل، وتغليب منطق “الخلطة المضمونة” على الابتكار، أدّيا إلى حالة من الجمود النسبي، جعلت المشاهد يلتفت إلى ما هو جديد وأكثر إثارة. ورغم محاولات بعض الأعمال المصرية مؤخرًا – مثل سوق الكانتو وجعفر العمدة – الجمع بين الجودة والجاذبية الشعبية، إلا أنّ المنافسة مع الأعمال الكورية والتركية على المنصات العالمية لا تزال شرسة.النقاد انقسموا في تفسير الظاهرة؛ فبينما يرى بعضهم أنها موضة عابرة سرعان ما ستخفت، كما خفتت الموجة المكسيكية، يعتبر آخرون أنّها تحوّل عميق في الذائقة نتيجة الانفتاح الرقمي وعالمية الثقافة.

الناقد طارق الشناوي مثلاً نبّه إلى أنّ الدراما المصرية مطالبة بالجرأة والتجديد، وإلا ستفقد مركزها التاريخي، فيما أشار آخرون إلى أن الحل يكمن في الانفتاح على التعاون الدولي والإنتاج المشترك بدل الانكفاء.البُعد الاقتصادي لا يقل أهمية؛ فالمنصات العالمية تجني أرباحًا هائلة من هذه الأعمال، فيما يتزايد اعتماد الجمهور العربي على الاشتراكات الرقمية لمتابعتها. وهذا يضع شركات الإنتاج المحلية أمام تحدٍّ مزدوج: إما رفع جودة الإنتاج بما يوازي المعايير العالمية، أو الاكتفاء بدور ثانوي في المشهد الثقافي.ومع ذلك، يبقى للأعمال العربية خصوصيتها الثقافية، إذ يرى كثيرون أنّ الدراما المصرية لا تزال الأقدر على التعبير عن هموم الإنسان العربي بلغته ولهجته، وأنّ أي “غزو ناعم” سيظل ناقصًا إذا لم يُترجم إلى سياق محلي. هنا، تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته “إستراتيجية إنقاذ” للدراما المصرية: ضخّ استثمارات، إعادة الاعتبار للكتابة الدرامية، منح المبدعين حرية أكبر، وتبني موضوعات جريئة تحاكي التحولات المجتمعية الراهنة.إن الدراما ليست مجرد تسلية، بل هي قوة ناعمة تشكّل الوعي، وتعيد صياغة القيم، وتفتح نوافذ على العالم. ومن هنا فإن تحدي الدراما المصرية اليوم ليس فقط في مواجهة الكورية أو التركية، بل في استعادة روحها الأصيلة وتجديد قدرتها على الإمساك بخيال المشاهد العربي.في النهاية، يمكن القول إنّ ما نشهده ليس مجرد منافسة فنية، بل صراع رمزي على قيادة الذائقة العربية. فإذا كان الكوريون والأتراك قد نجحوا في أن يجعلوا من أعمالهم لغة عالمية مفهومة في القاهرة والرياض والدار البيضاء، فإن المصريين قادرون – بما يملكونه من تراث وتجربة وإرث تاريخي – على استعادة الصدارة، شرط أن يدركوا أنّ زمن الاحتكار قد ولّى، وأنّ العالم لم يعد ينتظر، بل يمضي سريعًا نحو المستقبل.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.